الخميس، 20 يناير، 2011

في المستشفى .. 1

 
لا مكان في هذا العالم يمكن الكتابة فيه عن الألم مثل المستشفى ..!!

في هذا المكان لا قيمة لأي شيء ، سوى لرحمة الله و لقدره الشافي و لدعاء الذين يحبوننا ، حين يرفعون أيديهم إلى السماء من أجلنا .

ناس لا يعرفونك و لا تعرفهم ، ينظرون إلى وجهك بابتسامة مهذبة ثم يقولون : "عسى الله أن يشفيك شفاءً لا يغادر سقماً " أو يقولون : " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك "

باقات ورد من أحبائنا ، علب الشيكولاتة الداكنة من أصحابي الذين يعرفون عني كل شيء ، علب الشيكولاتة الملونة من زملاء العمل الطيبين ، مكالمات لا تنقطع ، هواتف جوالة لا تكف عن الرنين لتوصل صوت القلق المحب في صدورهم ، زيارات مفاجئة غير متوقعة تبدأ بوجوه أحبها تبتسم في أمل من مدخل ستائر الغرفة الزهرية ، و دعوات صادقة و صلاوات خاشعة في قلوب كثيرين .

جاوزت في المجمل و عشرين يوماً ممنوعة من الحركة على فراش أبيض ، اتضحت لي خلالها كمية من الحقائق التي أدهشتني لجمالها و لقبحها أحياناً ، ذراعاي مليئان بآثار إبر الكانيولا ، و وجهي مصفر ، و أشعر بالتعب .

منذ عشرين يوماً ، و أنا أتناول وجبات صحية سليمة عديمة الطعم ، مبتعدة عن فناجين القهوة المزركشة و جلسات الحديث الضاحك مع مجموعتي الرائعة في مقهاي المفضل .

عشرون يوماً لم يرتفع ضغط دمي فيها و لا مرة ، فلا مدير غاضب و لا رئيس ناقم ، و لا أحاديث هاتفية تجعلني أفقد صوابي و أعصابي ، و لا تقارير مالية أو جداول زمنية ، و لا متابعات لميزانية العام و لا أي شيء من تلك الأشياء التي تجعلني أتحول إلى كرة نار قابلة للانفجار بوجه أي شخص يسيء فهمها أو التعامل معها .

انضم طبيب العظام خاصتي و طبيبة التخدير إلى أصدقائي ، و أرحب بهما جداً إلى هذه المساحة الشخصية جداً التي أسميها حياتي ، و لو لم تكن هناك ميزة لوضعي هذا إلا تلك لكفته تماماً .. تماماً .

تغيرت فعليًا تغيراً لم أعرف أنني سأصير إليه ، و واجهت كذب أشياء كنت أؤمن بصدقها حد العقيدة ، و تقبلت حقائق لم يمر بأسوأ أحلامي احتمال وجودها أو تصديقها المجرد .

هذه هي المرة الأولى التي تمطر فيها السماء و أكون غير قادرة على مد يدي من النافذة أو الشرفة لأصافح المطر فيها بشكل شخصي .. !

انقطعت عن الكتابة لفترة لأنني كنت لا أستطيع أن أركز فيما أكتب و لا أستطيع أن أستجمع الكلمات في ذهني من فرط الألم أحياناً و من فرط الدوار أحياناً أخرى ، و لكنني أعود اليوم ، لأكتب ، بعدما صار الألم أقل ، و بعدما صرت لائقة أكثر لأفكر .. ربما !!

فقط أسألكم الدعاء ، حتى أستطيع أن أسير مرة أخرى على قدمي المكسورة المسكينة التي قاموا بحشوها بعدة مسامير و شريحة في عملية جراحية عاجلة لازال جسمي الحساس يعاني مضاعفاتها و آثارها الجانبية الموجعة .

أسأل الله أن يعافيكم من كل ما ابتلاني به ، و أسأل الله أن يشفي كل المرضى الذين يمرون بخناجر الألم المتواصل ، إنه قريب سميع مجيب الدعاء .