الجمعة، 11 مايو، 2012

طُقوسْ : يَوْمُ الْجُمْعَة


يوم الجمعة..
أفقتُ على نهاية حلم يقول فيه شخص ما إنني سأكون بخير.
أعرف أنني سأكون بخير، لأن أمثالي دائمًا بخير، حتى وإن تألموا قليلاً أو بكوا قليلاً، لأن الله سيجعل قلوبنا تبتسم دائمًا بطريقةٍ ما، تذكرتُ وأنا على فراشي اليوم أنني لا تعجبني الستائر الجديدة، كنت أحب ستائري الخفيفة سكرية اللون المنقوشة بزهور حمراء، لكن أمي الحبيبة - جزاها الله عنا خير الجزاء - غيرت الستائر إلى أخرى بلونٍ غامق، يتماشى مع أثاث الغرفة البنية، فالستائر الجديدة لها تعريجات عريضة أنيقة باللون الذهبي والبني الفاتح والبني الغامق مع زهور منثورة بلون ذهبي غامق قليلاً، هذه الستائر الثقيلة لم أحبها كما كنت أحب الستائر القديمة التي كنت أرفض تغييرها، حتى انتهزت أمي - حفظها الله - وجودي في العمل ذات مرة ثم عدت إلى المنزل في المساء لأرى الستائر الثقيلة معلقة على نافذتي الكبيرة، فصرتُ أسأل عن ستائري القديمة إلى أن جاءت إجابة والدي الحبيب: «خلاص بقى، الستاير الجديدة أشْيَك».

«ذوقك مُرْهِق جدًا..»
قالت ذلك ثم إلتفتت إلي بينما أبحث عن بلوزة بيضاء بها نقوش سوداء، وحتى لا أسمع مثل هذه التعليقات فإنني أفضل أن أتسوق ملابسي وحدي، أعرف أن ذوقي صعب ومرهق، وأعرف أنني صعبة الإرضاء، وأن بي من هذه العيوب الكثير، وأعرف أنني لا أتراجع ولا يستطيع أحد إثنائي عن شيء ما دمتُ أريده، وأعرف أنني لا أتسامح، ولا أؤمن بفلسفة «الفرصة الثانية» ولا أعرف كيف أتبعها، لأنني أعرف أن الفرص الثانية تضيع كما الفرصة الأولى، ومن حق كل إنسان فرصة واحدة كاملة متكاملة ومرنة بما يكفي لاستيعاب الأخطاء وتفهمها، أما إن فسدت الفرصة الوحيدة فإنه لا داعي لتكرار المنح، لأن الناس إذا مُنحوا فرصة ثانية فإنهم سيكررون نفس أخطائهم، وهذا شيء أعرفه تماماً كما أعرف جداول الضرب العشرة الأولى، وأنا لا أحب أن أضيع وقتي، وهذا الدرس يبدو نزقًا وعسيرًا لكنني أعرف أن من وصل إلى الثلاثين وتعداها فسيحسن فهم ما أحاول شرحه.

تغمرني فكرة «الرجل الوطن» التي كانت تخيفني دائمًا، فكرة أن يتلخص الوطن في شخص واحد، تنتهي عنده محطات الترحال، ويبدأ القلب في ربط مركبه الوحيد البالي بمرساه، رجل تتعلق أحلامي بأطراف أصابعه وتخرج ابتساماتي من شفتيه، ويهطل الحنان بغزارة من جنبات صدره على ثنايا روحي، يثبت أن الخرائط فكرة فاشلة وأن المسافات ليست سوى أرقام لا تعنينا في شيء، والطفولة كما الحب تُمارس طوال الوقت دون اعتبارات للزمن، يفتح أبوابًا تغري بالحلم، كل الأشياء معه أول مرة، وكل مرة معه في كل شيء أجمل من كل مرة!!
رجلٌ كل أطواره حلوة كفصول السنة؛ هادئ في حزنه كالشتاء، رقيق في نفسه كالربيع، عنيف في مشاعره كالصيف، ومثير للحب كدفء الخريف، كلما فكرتُ فيه همس عبد الوهاب مطاوع - رحمه الله - في أذني قائلاً:
«إن أطهر النفوس النفس التي اختبرت الألم فرغبت أن تُجنب الآخرين مرارته»..
 فأبتسم، أفهمه أكثر، أقدره أكثر.. وأحبه.. أكثر!!