الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

عزيزي سانتا..




عزيزي سانتا كلوز.. 

أعرف أنك ستندهش من هذه الرسالة، أنا لا أكتب رسائل إلى أشخاص لا أعرفهم شخصيًا، وأعرف أننا لم نتقابل من قبل، ولكنك ستعرفني أو ربما تعرفني بالفعل لأنك تحتفظ بقوائم أسماء للطيبين والأشرار، وأنا أراهنك أن اسمي كان موجودًا في قائمة الطيبين في الاثنين وثلاثين عامًا الأخيرة، لأنني لا أذكر أنني آذيت أحدًا بحسب مقياسي البشري البسيط، لكنني لم أتسلم أية هدية منك.

أعرف أنك تزور الناس مرتين، مرة في ليلة الخامس والعشرين من ديسمبر ومرة في ليلة السابع من يناير، ولكن إحدى الصغيرات أخبرتني أيام سنوات الدراسة الابتدائية أنك تزور الناس كل يوم بين الليلتين، لأن هناك أناسًا يحصلون على هداياهم بعد تصحيح أخطائهم أو بعد الاعتراف بذنوبهم، وأتفهم أنك في كل مرة زرتنا لم تجد الكعك بالزنجبيل ولا كأس الحليب ولا الشجرة، لكنهم قالوا إنك لا تهتم كثيرًا بموضوع الشجرة، ولكن يهمك الحليب والكعك، لذلك سأخبرك أنني أحتفظ بحليب خالي الدسم بالثلاجة وأحتفظ بعلبة بسكويت «دايجستيف لايت» في خزانة الأطعمة الخفيفة، وهي على يسار باب شقتنا، وبإمكانك أن تتناول أي كمية ترغب بها، ولا مشكلة في ذلك.

عزيزي سانتا..
أنا لا أعرف كيف أملأ قوائم الأمنيات التي يرسلها إليك الناس، ومن أجل ذلك كانت الرسالة خيارًا أنسب، لأنني أحب الكتابة وأعتبرها بديلًا جيدًا للبوح، فدعني أتحدث معك عن قائمة الأمنيات أو الخيبات، فلا فارق كبير.

أريد ضمانًا أنه لن يخذلني أحد في 2013، أريد أن أتأكد أنه لن يكذب علي أحد، ولن يكسر قلبي أحد ولن يخدعني أحد، وأريد أن يحفظ الناس وعودهم لأنني أحفظ وعودي كلها وأفي بعهودي كاملة وعندما يحين دور الطرف الآخر في تنفيذ ما يخصه من الاتفاق أو العهد، فإنه يتخاذل دون سبب يمكنني من أن أعذره، وبعد ذلك يرغب في أن تستمر علاقتي به بنفس الدرجة، ويطلب أن أقطع على نفسي وعودًا أخرى لأنفذها..!!

أريد منك أن تضمن لي أنني سأقضي عمرًا كاملاً مع رجلٍ أحبه، وأنه سيبتسم في كل مرة كتبت لأجله كلمة، وأنه لن يشعر بالبرد أو التعب من هذا العالم البشع، وأن حبي له سيكون كافيًا ليخفف عنه ما يجد من صعوبة في الحياة والتأقلم، وأن عينيه الجميلتين العميقتين لن تعانيا من رؤية الكوابيس المزعجة أو الأحلام السيئة، وأن مشاعره الرقيقة لن تصدمها أية أحداث سلبية.

أرغب أيضًا في عهد مكتوب ينص على أن تلك المرأة المهووسة بزوجها لن تضايقني بشكوكها في لأنه يقرأ مدونتي، ولن تقوم بإرسال تعليقات سخيفة لي على المدونة لأنني لا أعرف زوجها، ولا أيسِّر خيانة رجل لامرأة أخرى أبدًا، ولأنني لن أصمت على أن تهينني امرأة مهووسة بزوج خائن هوائي المشاعر متعدد العلاقات لا علاقة لي به ولا أعرفه ولم أقابله في حياتي..!

وأخيرًا أريد أن أذهب إلى «روما».. لذلك امنحني تذكرتي سفر ذهاب وعودة بتواريخ مفتوحة، لأتمكن من تنظيم إجازتي العام المقبل حتى أدخر المال اللازم لمصاريف الإقامة والتنقلات، بدلاً من تضييع الوقت فيما لا يفيد.

والآن.. أريد منك أن تحضر لي صكوك الضمان في مظروف أبيض، وإن لم يكن لديك الظرف فبإمكانك أن تستعير واحدًا من مكتبة أبي بجوار الكراسي الذهبية ناحية الشباك الكبير، واترك المظروف فوق طاولة القهوة الصغيرة بجوار البيانو.
شكرًا لك.. سأنتظر الهدية كل ليلة.



الخميس، 20 ديسمبر 2012

في انتظار نهاية العالم..




سمعت منذ أول ديسمبر أن العالم سينتهي في 12 ديسمبر 2012 حسب نبوءة قبيلة في مكان ما منذ آلاف السنين، وباعتبار أنني صرت أميل إلى السطحية والاستسهال نتيجة اكتئابي الشتوي، لم أبحث عن مصدر المعلومة أو دقتها، لكنني أردته أن ينتهي بالفعل، قررت في الحادي عشر من ديسمبر أن أكتب شيئًا على المدونة، لربما تأتي أمة أفضل منا تبحث في آثارنا ثم يقولون أنه كان هناك دخلاء على هذا الكوكب، لا يشبهون الآخرين وكانوا يعبئون أوجاعهم في صفحات وهمية في أشكال مرسومة على سطور متوازية يسمونها بـ«الكلمات».

ثم قررتُ ألا أمنح الأمم التالية فرصة اكتشاف كم أنني متعبة ومنزعجة من هذا العالم، لا أريد أن يبكي أحد وهو يعدد خيباتي الكثيرة، ويلتقط أشلاء أحلام بعثرتها عن عمد وسط كل صفحة كتبتها وقرأها الناس أو لم يقرأوها، مع إنني كنت أستطيع أن أكتب عن أشياء جميلة، كالموسيقى وقهوة الصباح وصوت رجل أحلم به ولا تطاله يداي، أو ربما أكتب عن المشي تحت المطر كحلم مضى ثم اختفى في الخط الواصل بين السماء والأرض، او أكتب عن صديقاتي الرائعات، أو عن أختي العزيزة وطفليها الجميلين، وكان من الممكن أن أتحدث عن الأطباق التي أجيد طهوها بسعرات حرارية منخفضة وبدسم قليل جدًا، أو أن أفاجئهم مثلاً بأنني أستطيع أن أطهو «الملوخية» بطريقتين مختلفتين، أو ربما أخبرهم بأنني صرتُ مهووسة أعد السعرات الحرارية التي أتناولها في الطعام وأسجلها كل يوم، وأحتفظ بجهاز صغير «بيدومتر» ليعد السعرات الحرارية التي أستهلكها طوال اليوم..!

أشفقت على هذه الأمة التي ربما تأتي بعدنا وتسمع ما كنا نقوله، أو تسمع كيف كنا نختلف، وكيف كنا نخسر أصدقاءنا، سيرون كم كانت أخلاقنا ومبادئنا مطاطة، كم كنا نضيع الحلال من بين أيدينا لأننا نتلذذ بالحرام أكثر ثم نشعر بالذنب ونعود إلى الحلال لنشتاق إلى الحرام وهكذا، سترى تلك الأمة الحروب الكلامية والكذب والتوجهات السياسية عديمة القيمة التي لم تفعل أي شيء سوى أن تزيد الضحايا والقلوب المحترقة، سيقرأون لـ«جلال عامر» رحمه الله و«جمال حمدان» رحمه الله ثم ستعجبهم رواية «العمى» لـ«ساراماجو»، وقد تعجبهم رواية «خفة الكائن التي لا تحتمل» لـ«ميلان كونديرا»، ولكنني أشك في أنهم سيفهمون جرائدنا  اليومية، لا أحد يفهم كل هذا الكم من السخافة والكذب والتضليل، ولن تعجبهم الكتب البلهاء التي تصدرها دور النشر كـ«سبوبة»، لأن أي عاقل لن تعجبه كتبٌ بهذه البلاهة والجهل والتكرار.

جلست في الحادي عشر من هذا الشهر أنتظر أن ينتهي العالم، فوجدت أنني لم أفعل أي شيء مختلف؛ استيقظت في الصباح، ذهبتُ إلى العمل، تنقلت بين اجتماعات كثيرة، ثم عدتُ إلى المنزل منهكة القوى، أبحث عن حمام دافئ وزيت البنفسج لترطيب البشرة، واستمعت إلى الموسيقى، ولم أفعل أي شيء، حاولت أن أحاسب نفسي فوجدت أنه لا داعي لذلك، ومادام أنه لا وقت للمحاسبة لأن نهاية العالم بعد ساعات، فإنه لا شيء سيتغير، حتى وإن تغير أي شيء؛ فما الجدوى بالأساس.. ؟؟ لا شيء..!

لو كان العالم انتهى لوفر علي ذلك الكثير من الاحتمالات، ما كنت سأقلق بشأن أشياء كثيرة، وما كنت سأشعر بالضيق من اجل استفتاء الدستور، وما كنت سأدخر مالاً لأشتري هدايا أعياد ميلاد أصدقائي الذين ولدوا في شهر يناير وفبراير وهم كثر، كنت سآخذ المال وأشتري حقيبة يد بنفسجية لأنني اشتريت الحمراء ثم أعجبتني البنفسجية في دكان آخر، وكنت قد أنفقت ميزانية التسوق الشتوية كلها، فلم أقدر على شرائها.

أخبرني شخصٌ آخر الآن أن هناك نبوءة أخرى تقول أن العالم سينتهي في الواحد والعشرين من هذا الشهر، ولو استمر هذا العالم بعد الحادي والعشرين من ديسمبر فسأشتري حقيبة يد بنفسجية وأخرى زرقاء، وسأكتب حصاد 2012 قبل نهاية العام.. وسأضع قبلة على جبين كل فتاة تتحمل هذا العالم وتحاول أن تقتنص لنفسها فرصاً للسعادة كـ«ريهام سعيد».






الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

حديث ذات.. 15




أشعر باحتقان روحي شديد.. 
منذ شهر تقريبًا وانا أتصرف كأن هذا العالم لا يخصني ولا أنتمي إليه..
أنا غريبة عنه بالفعل، أكره المجتمع ولا أحترم شرائح كبيرة منه، أكره العقليات المتحجرة، وأكره الرجل الجالس بالغرفة المواجهة الذي كلما تحدثنا بسبب العمل لا يرى في إلا صدري، هو لا ينظر إلا إلى صدري فقط.. كأنني تم اختزالي إلى عضو أنثوي بحت!
هذا المجتمع، يمقتني ويكرهني ولا يحترم إنسانيتي، وهناك دائمًا «آخرون» و«أخريات» وأشياء كثيرة سخيفة بلا معنى تحيط بي من كل جانب، أتمنى أن يتحول هذا العالم إلى فراغ وأعيش فيه وحدي مع عشرة أشخاص أحبهم وكفى.
بالدور الثاني من هذا المبنى يقع مكتب الاستشاري المصمم للمشروع الذي أعمل به، وبالأعلى عدد كبير من النسوة، اللاتي يتسلين طوال النهار بالحكايات الزوجية والجنسية والعائلية، ويتشاجرن فيما بينهن على توافه كثيرة، ثم يأتين إلي لأحكم بينهن؛ ولكن من قال أنني أكترث لهن؟ أنا لا أهتم حتى إن أحرقن بعضهن بعضًا لأنهن نتاج هذا المجتمع الذي جعل الناس لا يعرفون كيف يعيشون ولا كيف يستمتعون وأنا أكره المجتمع الذي يجبر أفراده على أن يكونوا جاهلين ليتمكنوا من العيش.
واحدة منهن تشك في أن زوجها متزوج عرفيًا من صديقة لها تعمل بالمكتب ذاته، وأخرى تحاول الإيقاع بأعزب وسيم يعمل كنائب كبير مهندسين وتجتهد في ذلك اجتهادًا مريرًا مثيرًا للشفقة حد الغثيان، وأخرى تخون زوجها مع شخص آخر لأنها لم تذق الحب وأرادت أن تحب فأحبت وجنت وفجرت أيضًا، وامرأة مطلقة تزوجت عرفيًا بشخص يرغب في تركها لأنه يريد أن يتزوج رسميًا بأخرى وهي تشعر بالتعب وتريد أن تستبقيه بأي ثمن، وهناك أيضًا من كُسَر قلبها حديثًا وتحاول أن تجد عندي كلمات لتصطبر بها على الألم والوجع وتحتاج إلى الكثير من الطاقة بينما أنا لا شيء عندي لأقدمه لأحد، وهناك هذه البيضاء الجميلة التي تحب رجل أكبر منها بنحو عشرين عامًا لأنها فوق الثلاثين وتعتقد أنها لن تجد من يتزوجها سواه بالرغم من أنه متزوج بالفعل.

كل هؤلاء النساء يأتين إلي لأنهن يحتجن إلى الدعم، وأنا لا أكترث، هذه نتاجات المجتمع فلماذا تقع مصائبه فوق رأسي؟ أنا لا أحتاج إلى ذلك لأنني أعاني من المجتمع بالفعل فلا داعي لأن يصب قذاراته عندي، وكنت منذ البداية اخترت ألا أختلط بأحد في العمل لأنني لا أريد أن أعرف شيئًا عن الآخرين.. لا أريد.. الآخرين لا يثيرون رغبتي في المساعدة، لكنهم يجعلونني أكره المجتمع أكثر وأكثر.. وأكثر.

قالت لي إحدى اللاتي أعرفهن مرة أنني أكره الأخطاء الكثيرة وأمثالي يعيشون بعذاب نادر، لا يشفيه شيء إلا أن يموتوا.. فينتقلون إلى عوالمهم الحقيقية حيث النور والخفة والهدوء الذي لا يلوثه الناس بأمراضهم، وإلى أن أنتقل إلى هذا العالم الملون الجميل الذي لا يشبه هذا المجتمع المشوه الحقير، سأظل أكتب هنا.

وفي خلال هذه الفترة من الكآبة التي تصيبني عند بداية الشتاء-بالرغم من إنني أحب الشتاء- لفت انتباهي استطلاع رأي تقوم به التايم الأمريكية لاختيار شخصية العام، وقائمة الاختيارات هذا العام مليئة بالسفاحين السياسيين والديكتاتوريين والرأسماليين، وبين كل هؤلاء المذنبين توجد فتاة واحدة صغيرة بريئة تستحق التصويت لتكون شخصية العام وهي «ملالا يوسفزاي» التي حاولت طالبان قتلها لأنها تدافع عن حقها الإنساني في التعليم والاختيار، والمثير للضحك أن هناك تصويتات جماعية تتجه نحو السياسيين والديكتاتوريين بأرقام كبيرة، بينما أن لا أحد يصوت لملالا حبًا في الإنسانية وفي حق الفتاة في الاختيار والتعليم، كل التصويتات تتجه للعصبية والقبلية والطائفية والرأسمالية السياسية الحقيرة.

وأنا اطلب منكم ان تصوتوا لملالا على هذا الرابط.. لأن ملالا فقط وأمثالها هم من يمنحون أمثالي سببًا للحياة هنا في هذا العالم، الذي ربما يكفر بالسلطة والمال ويعتنق الإنسانية.. في يوم ما..!



الخميس، 8 نوفمبر 2012

حديث ذات.. 14




أنا عالقة في هذه الدنيا.. ولا أعرف ما أفعل بها..!!
لا أريد أن أرى أحدًا، أجلس بمعزلي هذا لأحاول اكتشاف أنواع جديدة من الموسيقى، أنواع لم تتلوث ببشاعة أحد.. ولم تقترن في ذاكرتي بالخيبة والألم والكسر.
لا أشعر برغبة في الاندماج في أفراح الآخرين، لا أريد أن أرى أفراحاً ولا أريد أن أرى أي شخص آخر غير نفسي..
صديقتي التي تختار ثوب زفافها في الغد لن أستطيع أن أذهب معها، وهربت من صديقتي التي طلبت مني أن أسمح لها بترتيب وليمة كبيرة لمجموعتنا القديمة في محافظتهم الساحلية، أنا لا أستطيع أن أمنح دفئًا لأحد.. أنا فارغة من الداخل مسحوبة الروح ولا أرى في العالم غيري.
بإمكان أي شخص أن يصفني بالذاتية؛ ولكن ما الذي سيغيره ذلك؟ حتى وإن كنت متمحورة حول ذاتي أو متكورة حول نفسي المتألمة، ما الذي سيجنيه الآخرون من الحكم المبكر أو المتأخر أو الحكم عمومًا عليّ؟ -لا شيء..! 
كل الناس لا يرون إلا أنفسهم واحتياجاتهم فما الذي سيضر هذا العالم الغارق في البشاعة والقاذورات أن أتوقف عن النظر إليه؟ – لا شيء.. لا شيء!

لأول مرة أشعر أن عدم وجود بيانو في المنزل يسبب لي أزمة، أنا عادة عندما أزور مصر في الإجازات لا ألتفت إلى عدم وجود بيانو، بل أن هذا الأمر لا يكاد يمر بخاطري، لكنني الآن أفتقد وجود البيانو.. أفتقد النوتات التي كنت أعزفها وحدي لأنني أخاف أن يخبرني أحد أنني لا أستطيع إتقانها كفاية.
لا أعرف ما الذي أستطيع إتقانه كفاية، فأنا دائمًا أول ما يلقيه الناس من سفينة حياتهم إن أرادوا تخفيف حمولتها، ولا أحد يعبأ أصلاً إن غرقت أو نجوت وكلهم يذهبون.

كنت في مجمع تجاري كبير منذ ثلاثة أيام بالقاهرة، كنت وحدي تماماً، اخترت طاولة هادئة وبعيدة في مقهى تابع لفندق ضخم وكبير، طلبت القهوة السوداء وأخذت أكتب، أتت النادلة وابتسمت ثم قالت: "لمَ أنتِ حزينة؟ الجو رائع والطقس مبهج للغاية وبإمكانك الاستمتاع بأشعة الشمس في الشرفة الواسعة المطلة على حمام السباحة.. الحياة قصيرة ، استمتعي!"
ويا ليت هذه الحياة قصيرة بالقدر الذي يجعلها تنتهي عندما نريد، ألا إنها تسهب في الطول وتمعن في العذاب أكثر، وأنا أكابد الكثير في هذا العالم، وأعاني من الآخرين الذين ينتظرون مني دائمًا أن أحقق شيئًا أو أن أخطو خطوة تستحق المراقبة أو التعنيف أو التصفيق.

وعندما تمشيت قليلاً بين المحلات الواسعة، قررت أن أدخل الحمام لأنني أريد أن أبكي، فمن غير اللائق أن تبكي امرأة في كامل أناقتها وزينتها دون سبب أمام الناس، وعندما دخلت إلى الحمام بدأت في البكاء، لم أبكِ منذ زمن.. منذ كان يجب علي أن أبكي..!
لا أعرف كيف اختزنت كل هذه الدموع طوال هذه الفترة، وعندما انتهيت من البكاء، وقفت أمام المرآة لأصلح زينتي، فعلقت إحداهن على ثوبي وقالت: " ثوبك رائع.. من الذي طرزه؟" قلت لها: "اشتريته هكذا.." قالت: "أنا أحب اللون الأسود وهذه التطريزات الدقيقة.. أنيق" قلت لها:" نعم أنا حتى عندما أحزن أحزن بأناقة.." ثم تركتها وذهبت..!
لا أريد ان أتماسك أمام أحد، أنا ضعيفة ولا أريد أن أبدو قوية، لقد سئمت ما يظنه الناس عني، وما عدت أهتم.. ما عاد يهمني أي شيء، أنا عالقة في هذا العالم، بين كل هذه الأشياء وكل هؤلاء الناس.. لقد علقت بالفعل هنا!
عالقة بين العطر والموسيقى والثوب الأسود الحريري الذي اشتريته دونما داع، عالقة بين الألم والفراغ ولا شيء يحدث، عالقة بين البقاء والسفر، عالقة بين كل الأشياء كروح لم يفتح لها ممر النور لأن لها مهمة غير منجزة..!

كلمة أخيرة:
أشكر لكم صبركم الذي ساقكم إلى القراءة حتى النهاية، ولي عندكم رجاء.. أنا لا أطيق النصح.. فلا تجعلوا حالي أسوأ بالنصح.

الجمعة، 2 نوفمبر 2012

حدوتة البنت..




مرة كان في بنت ..
البنت دي ماكانتش بتعيط ف المدرسة زي الولاد التانيين، كان معاها دايما علبة ألوان وكراسة رسم في شنطتها، وكانت بتحب تشتري الصلصال وتعمل منه شجر ملون، وكانت معتقدة إن الشجر في منه ألوان في مكان ما من العالم ده، كانت بتحب الورد لونه أزرق وبنفسجي وماكانتش بتحب الورد الأحمر، كل ما كانت ترسم وردة ترسمها زرقا..
البنت دي كانت شاطرة أوي في المدرسة، كانت بتحب تتعلم، وكانت في الصيف بتحب تعمل طيارات ورق، وتقف تطيرها من بلكونة جدتها الواسعة زمان، كانت بتنزل تلعب في الجنينة وبتخاف من الفراشات، كانت بتقطف الورد البمبي وكانت من جواها بتدور على وردة زرقا.
لما كانت صغيرة، كانت جدتها بتاخدها السوق معاها بدري، وتجيب لها طعمية وعيش وتأكلها في الجنينة جنب السوق وتلاعبها شوية جنب الشجرة الكبيرة، وكانت بتستنى ده كل يوم..
وكانت كمان.. بتحب الفساتين الحمرا اللي فيها كرانيش والشرايط الحمرا، كان عندها أرنوب بمبي معاه طبلة، وكان عندها عروسة وكانت طفلة سعيدة..!
كان خالها بياخدها على العجلة يجيب لها آيس كريم.. وبسبوسة.. وكان بيقسم معاها العسلية اللي كان بيجيبها بمصروفه من المدرسة..
عمرها ما رضيت تكون التانية في الفصل، كانت دايماً الأولى، وفي سنة من السنين كانت الأولى على كل الفصول، وكانت بتتعامل مع العلم على إنه حاجة حلوة بتعملها..
البنت دي لما كبرت بقت بتلبس نضارة، وكانت لوحدها أوي.. ولما بدأت تعرف يعني إيه حب.. اتفتحت عينيها على الدرجة السفلى من المخلوقات البشرية.. 
البنت دي حظها مش حلو في أي حاجة ليها علاقة بمشاعرها.. 
البنت دي في منها نسخ كتير.. 
نفس البنت.. في مرة عملت مدونة، وقالت إنها هتكتب.. المدونة بقت معرض للجروح.. البنت بقت بتصور الجروح بالكلام وتعيط وهي بتكتب..!
كل مرة بيدخل حياتها حد كانت بتحبه بربع قلب.. كانت بتخاف على الباقي من قلبها.. لحد ما في مرة.. حبت بقلبها كله..!
كأنها بتلعب قمار، حطت قلبها تراهن بيه على الترابيزة.. وخسرت..!
وكل يوم باسمع نفس الحكاية، حدوتة البنت اللي فجأة وقعت من فوق السحاب واتكسرت روحها، ولما جت تلملم نفسها ايدها اتجرحت، نفس البنت اللي بتنزف عصير ألوان كوكتيل شوق مع حب وأحلام.. ولما بتحط إيدها على قلبها بتحس إنه مش موجود.. 
نفس البنت عمرها عدى.. وماخدتش غير شوية هلاهيل.. بيسموها ذكريات.. وكل ما تكبر بتبقى الدنيا أوحش.. مهما حاولت تاخدها بالحضن.. بتلاقي صدرها اتملى شوك.. وإبر!
البنت دي لما بتحاول تنام بتشوف نفسها وهي صغيرة وبتلعب بطيارات الورق.. وبعدين وشها بيتحرق.. وبتقعد تعيط وتجري.. ومحدش بيسمعها!!

نفس البنت بتبدل مخدتها كل يوم الصبح وتحطها في الشمس عشان مامتها ماتاخدش بالها من دموع الليلة اللي فاتت!!

وتوتة توتة .. فرغت الحدوتة!

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

حديث ذات.. 13



إنها الإجازة السنوية إذن!!
حاربت حروبًا ضروس من أجل هذه الإجازة التي حصلت عليها ولا أعرف ماذا سأفعل بها حتى الآن، مضى منها أسبوع كامل وأنا ألعب ألعاب المغامرات الإليكترونية فأبحث عن مفاتيح وجثث وجماجم وما إلى ذلك طول الوقت، ومعي رواية البصيرة لساراماجو التي لم أنتهي منها بعد واليوم خرجت لأمشي مع والدي قليلاً على «الكورنيش» حيث الأطفال وبائعي البطاطا والحلبسة والترمس، ثم عدت إلى المنزل لأشاهد فيلمًا كوميديًا مكررًا مع أسرتي، ثم انسحبت لمحادثة إليكترونية مع صديقة، ثم قررت الآن فجأة أن أكتب شيئًا لا أعرف ما هو، لكنني أخذت علبة «كوكاكولا» من الثلاجة وفتحتها ثم جلست أكتب، ولمن لا يعرفني جيدًا أقول إنني لا أتناول المشروبات الغازية أبدًا ولا أحبها، وهذا خطبٌ جلل أن أشربها بنفسي دون ضغط من أحد.

لا أريد أن يرتبط القدوم إلى الوطن بالخذلان عندي، ولا أريد أن يرتبط العيد بالألم، لكن الأحداث المؤلمة عادة تختار أوقاتًا مميزة لتخريبها ولا أفهم ما هي ميكانيكية حدوث ذلك، لكن هذا يحدث معي باستمرار، فاقترحت إحداهن علي أنني ربما مسحورة أو معمول لي «عمل» بخراب الأشياء التي أحبها، وأنني ربما أحتاج إلى معالج أو ما شابه لفك السحر، ثم قالت أنني ربما بي «عين» لأن الخراب الذي يلم بالناس والعلاقات والأشياء التي أهتم بها وأحبها غير طبيعي..!!
والله ما تخيلت أن يقترح علي أحد مثل هذا الاقتراح، أعرف أنني ملعونة فيما يتعلق بأشياء كثيرة، وسيئة الحظ عادة فيمن أقابل لدرجة إنني صرت أشك في وجود البشر الأسوياء أصلاً، وأنني أرى السيكوباتيين يتجولون على البسيطة طوال الوقت وأرى النرجسيين يمشون بالشوارع بشكل عادي جدًا، وتذكرت حينها الطفل في فيلم الحاسة السادسة إذ يقول: «أنا أرى أمواتاً.. طوال الوقت ولا يعرفون أنهم أموات » وأنا أيضًا أرى سيكوباتيين ونرجسيين طوال الوقت؛ وهم لا يعرفون أنهم مرضى.

للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا يضايقني البدر الذي يعكس نوره على شرفة غرفتي، اكتشفت اليوم أنني لا أحب القمر ولا أطيقه، بل أنني أهرب من رفع رأسي إلى السماء لئلا أراه، لكنه موجود بالأعلى والناس يحبونه، ولأن كل الناس يحبونه أعتقد أنه لن تضره كراهيتي..
فأيها القمر البدر السخيف المستدير المنير الذي يعكس نوره على شرفتي.. أنا أكرهك..!
من أكثر الأشياء التي كنت أحب رؤيتها في الكورنيش هو الحب المتجول على الأرصفة، هذا الحب المجاني وكل العشاق والمخطوبين والمتزوجين حديثًا حين يسيرون بأيدٍ متشابكة خشية أن تتسرب منها أحلامهم، كنت أحب أن أرى ذلك ولكنه ساهم اليوم في زيادة شعوري بالخذلان والفراغ، ولا أفهم لماذا يمعن الوطن في تعذيبي بالرغم من أني مواطنة صالحة أدفع الضرائب ورسوم التصاريح كلها بانتظام ولا أكسر القوانين ولا أرتكب المخالفات وأدعم الصناعات المحلية الرديئة!!
فـ ليه كده يا وطن؟؟
لدي مواعيد مقابلات مؤجلة مع أصدقاء عديدين، ومواعيد للقهوة والحكي مع كثيرات، لكنني أخشى أنني لن أستطيع الوفاء بالتزامي هذا، أنا أحتاج إلى طاقة للتغلب على الخذلان والفراغ، والسيكوباتيين والنرجسيين.
أعتقد أني يجب أن أغلق هذه الشرفة التي تسمح لنور القمر بالدخول إلى هنا، لا أريده أن ينعكس على مرآتي، ويجب أن أذهب للنوم.. 
تصبحوا على خير..
 P.S : اللهم عليك بالسايكوباتيين ومن والاهم!!

السبت، 13 أكتوبر 2012

حديث ذات.. 12




السبت..
أول يوم في الأسبوع يسير بطيئًا للغاية، كل شيء يبدو بطيئًا، السيارات والناس والوقت وركوة القهوة التي تغلي بلا انقطاع على الموقد في المطبخ، فكل المحيطين بي في المكاتب المجاورة نصف نائمين، ولا أعرف كيف قادوا كل تلك المسافة من بيوتهم إلى موقع هذا المشروع في قلب الصحراء وهم يكادون لا يفتحون عيونهم إلا بالقدر الذي يقيهم الاصطدام بالآخرين في ممرات المكاتب.
بالأمس كنت أتفقد بريدي الإليكتروني ثم قررت أن أقوم بعملية فرز سريعة وأرشفة للرسائل التي وردتني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فانتبهت إلى نسخة إليكترونية من كتاب أرسلته إليّ إحدى صديقاتي لأنها ظنت أن عليّ أن أقرأه، ظللت أنظر إلى الكتاب ذو الغلاف الملون، ولم أرد حتى أن أتصفحه، الكتاب يتحدث عن كيفية التعامل مع الرجل وكيفية الاحتفاظ به.
منذ سنوات كثيرة، كانت الناس أكثر استقرارًا وهي بمعزل عن مثل هذه الكتب، التي تضع عوائق وقواعد وقوانين ومعادلات للتعامل مع شخص هو في الأصل جزء منك، تستند عليه روحك، وبالمناسبة فإن كتب العلاقات هذه تبيع مبيعات خيالية، وهي تجارية الغرض جدًا، ولم أقرأ منها سوى كتابًا واحدًا منذ أكثر من سبعة سنوات، كان ذلك الكتاب الذي يقول أن الرجل من المريخ والمرأة من الزهرة وكليهما يتحدثان لغتين مختلفتين، وقد بلغ الأمر من التعقيد مداه عندما وصلت إلى منتصف الكتاب ولم أستطع أن أكمله، الحب لا يكون بالحسابات، كل هذه الكتب خاطئة، كل هذه القوانين فاشلة، والعاشق لا حاجة له بمثل هذه التعقيدات الكثيرة.
لا أفهم إلى الآن ما هو الشيء الذي يجعلك تصدق شخصًا غريبًا، لا تعرفه ولا يعرفك ولا يعرف معشوقك الذي تسعى إليه بقلبك، مع إن الأمر كله أسهل من ذلك-وأتفهم أن سيكولوجية المجتمعات العربية معقدة إلى حدٍ ما- لأنك لا تحتاج سوى أن تكون نفسك، أن تقبل الآخر فتكون لينًا وصبورًا وصادقًا، ولك مثل الذي عليك من الصبر والتقبل والتفهم، ولا حاجة لك بالكثير من الحسابات التي تفسد الأمر على الشريكين وتجعله أكثر تعقيدًا في مجتمعات تعاني من تخلف في ثقافة المشاعر بشكل عام يدعو إلى الخزي. نحن نعيش في مجتمعات لا تفرق بين الحب والإعجاب والشهوة وتخلط بينهم بشكل سافر ومقيت.
الكتاب يفترض نمطًا شخصيًا واحدًا للفرد محل الدراسة، والله لم يخلقنا لنصير نسخًا متشابهة، نقول نفس الكلام ونشعر بنفس الأشياء ونتحدث بنفس الطريقة ونحب بنفس الطريقة، وهذه فرضية سخيفة مثالية وليست صحيحة، أنت لا تحتاج إلى كتيب إرشادات أو «كتالوج» لتحب شريكك، هو لا يحتاج منك سوى الرحمة والود والتفهم والصدق.
انتبهت الآن إلى أن كوب القهوة فارغ، ويجب علي أن أقوم بإعداد قهوتي وسأرجئ ذلك إلى أن أنتهي من الكتابة، أنا أشتاق إلى الكتابة وأحبها، وأكره أن أكتب في مكتبي لكن لا شيء لدي لأفعله يوم السبت الذي يمر هادئًا خاليًا من المنغصات العملية البغيضة.
و في مثل هذا الوقت حين أكون وحدي أستحضر ضحكاته، أقول له دائمًا.. «ضحكتك أجمل ما خلق الله من ظواهر طبيعية..!» لأنه إن ضحك أشرق عالمي بنور خفيف مطمئن لا يشبه البرق ولا الشمس، لكنه نور مختلف، يضيئ قناديل خفيفة في سراديب القلب الذي هو نجمه المغروس كاليقين، وانطلقت بداخلي فراشات لها أجنحة زرقاء ووردية لتحط فوق زهور صغيرة أينعت كياسمينات فجائية في جانب ما من نفسي!!
يجب علي الآن أن أقوم لملء كوب القهوة، ثم سأواصل قراءة كتاب أحضرته معي لأنني أمضي الوقت يوم السبت عادة أقرأ، أعرف أن من يتابعون صفحتي منكم يعرفون الكثير «عنه» ويرونه مشعًا بجلال وهَيْبة وسط الكلمات، ربما سأحكي لكم عنه لاحقًا، حين تسعفني الأبجدية القاصرة والكلمات المحدودة التي أصفها في سطور فلا تكفي ولا تفي.