‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحات من مذكرات شيماء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحات من مذكرات شيماء. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 مايو 2014

لا تقصوا أجنحة الجنيات - ماليفسنت


ماليفسنت.. 
أنا لست من هواة أفلام ديزني منذ فترة طويلة، لكن ولأنني أحتاج إلى تشتيت ذهني عما أمر به الآن اخترت أن أشاهده لأنني أتعرض إلى نوبة اكتئاب شبيهة بما مررت به بالعام الماضي، أردت أن أرى شيئًا بسيطًا وطفوليًا ولم أتمكن من الحصول على تذاكر لأي فيلم رسوم متحركة لأنه لا يعرض أي منها الآن بدور العرض، لكن الفيلم الوحيد الذي وجدته أقل جدية من كل الأفلام الأخرى هو ماليفسنت.

يتحدث الفيلم عن جنية طيبة صغيرة، تعيش في مملكة سحرية رائعة غير مسموح للبشر بدخولها، تعيش الجنية وسط الأشجار والزهور وجداول المياه ومخلوقات ملونة سحرية وغريبة، لكن الجنية سعيدة، تطير بجناحيها القويين الكبيرين طول الوقت، تلهو مع المخلوقات كلها في فرح ، إلى أن تعرف أن هناك كائن بشري يدعى «استفان» زار مملكتها السحرية وسرق جوهرة من بحيرة الجواهر ثم اختبأ في كهف في المملكة، فتذهب «ماليفسنت» لمساومة هذا الكائن الخاف المختبئ بالكهف، فتجده صبيًا صغيرًا في مثل حجمها، فتطمئنه ثم تعده بأنها ستعيده إلى منزله بالمملكة البشرية المجاورة، ثم تطلب منه أن يعيد إليها ما أخذ من بحيرة الجواهر، فيعيد إليها الجوهرة الوحيدة التي سرقها لترميها بالبحيرة مرة أخرى، وعندما هم «استفان» بالرحيل مد يده لمصافحة «ماليفسنت» التي احترقت يدها عند ملامستها لخاتم من الحديد كان يرتديه في إحدى أصابعه، فأخبرته بنقطة ضعفها الوحيدة وهي أن الحديد يحرق الجنيات، فرمى خاتمه بعيدًا حتى يتمكن من ملامسة يدها.

بالمملكة المجاورة التي كان يسكنها البشر كان هناك ملكٌ يريد أن يستولي على مملكة  «ماليفسنت» السحرية، وفي وقت ما يقرر الملك أن يغزو هذه المملكة، وتظهر الكائنة المجنحة –الجنية التي كبرت وصارت شابة- في مواجهتهم عندما يهمون بالدخول إلى المملكة لغزوها، يسخر منها الملك لأنها وحدها ويبدأ في إطلاق أوامر لجنوده ليقوموا بغزو المملكة السحرية، فتنادي «ماليفسنت» على الأشجار المحيطة بالمملكة للدفاع عن أرضها، فتتحول كل الأشجار إلى كائنات خرافية بشعة مخيفة تقوم بصد عدوان الملك الطامع في الأرض والمملكة، فيهرب الملك وجنوده مهزومين ثم تعود المملكة السحرية إلى هدوئها.
يقترب الملك من الموت، فيجمع أخلص رجاله حوله ويخبرهم أنه يرغب في الانتقام من المخلوقة المجنحة التي الحقت به الهزيمة الموجعة، ومن هؤلاء الرجال خادمه المخلص «استفان» الذي كبر وصار شابًا، ويعد الملك بانه سيحاول أن يقتص له من المخلوقة المجنحة، فيعده الملك بعرش المملكة إن استطاع أن ينتقم له من «ماليفسنت».

خلال كل السنوات السابقة، انتظرت «ماليفسنت» أن يعود «استفان» لزيارتها بالمملكة، وكانت تنتظره كل يوم، وفي يوم ما يظهر «استفان» في مملكتها فترحب به تخبره انها اشتاقت له، وأنها سعيدة بوجوده معها، فتجلس بين ذراعيه في اطمئنان حتى يسقيها ماءً مخدرًا فتسقط نائمة بين ذراعيه، فيستل سكينًا من جرابته ويقوم بقطع جناحيها، لقد قطع جناحيها بالفعل، عندما رأيت هذا المشهد بكيت، وشعرت أنني أيضًا كنت جنية سابقة، وقد قام أحدهم بقص جناحيّ عندما كنت نائمة بين ذراعيه في اطمئنان وراحة، ورأيت «استفان»  يحمل جناحيها الكبيران الجميلان القويان فوق عربة، وهي مسجاة على الأرض بلا حراك، تنزف في سكون من مكان قص الأجنحة، وفي الصباح تفيق «ماليفسنت» وهي تشعر بالألم، تجد نفسها بدون أجنحة، تصرخ من فرط الألم والخيبة، ثم تبكي، تمشي بألم وضعف وحزن، ثم تتخذ عصا من الأرض لتتكئ عليها، وتقرر أن تنتقم من «استفان» الذي صار ملكًا فيما بعد.
وهنا قررت أن تتحول «ماليفسنت» إلى جنية شريرة حتى تستطيع بالانتقام من «استفان» الذي استغل حبها ليصل إلى هدفه وليحقق أطماعه، وبعدما يصير ملكًا فإنه يتزوج ويرزق بإبنة صغيرة «أرورا» ويقيم لها حفل تعميد ضخم يدعو إليه كل رعيته بالإضافة إلى بعض الجنيات الصغيرات من المملكة السحرية التي تحكمها «ماليفسنت» وتقرر «ماليفسنت» الحضور إلى الحفل بزيها الأسود لتلقي لعنة على الصغيرة أمام «استفان» وزوجته وتخبرهم ان هذه الفتاة سوف تجرح اصبعها بمغزل في يوم عيد مولدها السادس عشر، ثم تسقط نائمة إلى الأبد ولن تفيق من نومها إلا بقبلة حب حقيقي.

تستمر أحداث الفيلم بقصة تشبه قصة الجميلة النائمة وهي القصة الأصلية التي استنبطت منها قصة «ماليفسنت» ، ولا أريد أن أحرق أحداثه الرائعة، لكن في النهاية ستنتصر «ماليفسنت» وتوحد المملكتين وتمنحهما لـ «أرورا» وسيموت «استفان» بعد صراع في معركة صعبة خاضها مستغلاً نقطة ضعفها الوحيدة وهي «أن الحديد يحرق الجنيات».

الشيء الذي أود ان اقوله أن كل البنات في الحب يتحولن إلى جنيات، وكل البنات في الحب يخبرن بأسرار ضعفهن، وكل البنات يمنحن العفو والرحمة والبهجة إذا أحببن، وكل بنت تقوم بمعجزة كل يوم من أجل إسعاد رجل تحبه إنما هي جنية طيبة، فلا تقوموا بقص أجنحة الجنيات إذا نمن في أحضانكم، لا تقصوا أجنحتهن لتصيروا ملوكًا، لا تفعلوا ذلك.. وأنا كجنية سابقة فقدت جناحيها في حادث مماثل لحادث «ماليفسنت» أنصحكم بألا تفعلوا ذلك حتى لا تقع لعنتهن عليكم.. كونوا رحماء وصادقين.. ولا تستغلوا نقاط ضعف الجنيات لقتلهن.. لقد حدث هذا معي ولا أرغب في ان أراه يتكرر مع جنية أخرى.. هذا فقط.


الجمعة، 30 أغسطس 2013

حَديثُ ذاتْ.. 20



أخبرتني «داليا» منذ  خمسة أسابيع أن هدية عيد مولدي في البريد، وبذلك منحتني شيئًا أنتظره، لقد كنتُ أسأل حارس البناية التي أسكن فيها كل يومً عن البريد وكلما تحادثنا فكرتُ في الهدية واستحيت أن أسألها، وفي يومٍ اتصلت بي أمي صباحًا وأنا في العمل لتخبرني أن ساعي بريد دق الباب وأعطاها مظروفًا أبيض، فابتسمت وأنا أعرف أن «داليا» ستملأ المظروف ببعض الفرح من أجلي، وعندما عدتُ إلى البيت، جلست على ركبتي أمام طاولة القهوة لأفتح المظروف الأبيض، فوجدتُ فيه ديواناً مسموعًا، وصورة مقسمة كان مطلوب مني أن أقوم بتجميعها، وزهرة وردية من الكروشيه أستعملها كزينة للشعر، ويومها سجدتُ لله شكرًا على البهجة التي أرسلتها إلي «داليا»، وسقطت دمعتان من عيني على سجادة الصلاة وأنا أبتسم، اللهم لك الحمد على الحب الذي تمنحني إياه من قلبها، ومن قلب الذين يحبونني.. اللهم لك الحمد.. (ابتسامة من القلب.. ♥) 




 منذ يومين، أرسلت لي إحدى صديقاتي نسخة إليكترونية من دليل سياحي لـ«روما» وموقع فيه رحلات جماعية سياحية إلى إيطاليا، وأخبرتني أنه ليس هناك وقت أنسب من الذهاب إلى إيطاليا من هذا العام بعد الانكسارات والأوجاع والمرض والأطباء خاصةً وأنه بقي شهران فقط على موعد إجازتي السنوية التي لا أعرف حتى الآن كيف سأقضيها، أردتُ أن أسافر إلى مصر لكن قلبي لا يرغب في ذلك على الأقل حاليًا، لأنني اختنقت فيها وكنت أسير في الشوارع أبحث عن الهواء في شهر مارس ولا أجده، كأنه يرفض الدخول إلى رئتيّ، لقد كان الوقت الذي قضيته في وطني مؤلمًا ذلك العام، فصرت لا أملك إلا الاشتياق إليه بينما تقوم أرضه بطردي وإبعادي قسرًا.. ولا حيلة لي في ذلك.
الشيء الذي لاحظته هو أن أسعار الرحلات إلى إيطاليا مرتفعة بالنسبة لفتاة مثلي أكلت العلاجات والأدوية قدرًا كبيرًا من مدخراتها، ولكن الأمر ليس مستحيلاً ، لأنني ربما أستطيع توفير المبلغ في منتصف العام المقبل إن استمرت الأمور على ما هي عليه، وإن ظللت كما أنا دون انتكاسات أو متاعب.


اقترح علي أحد العارفين ببواطن الأمور أن أقوم بتربية هرة صغيرة أو جرو لأنشغل بها، وأقضي وقتًا طويلاً في العناية بها وتدريبها واللعب معها وتغذيتها، وقال لي أن ذلك سيفرغ قدرًا من مشاعر الألم التي بداخلي، لأن هذه الكائنات ستنتظرني وستنام عند قدمي وستحب المكوث بين ذراعي وستمنحني حبًا.. الكثير من الحب على حد قوله، وسأعتاد عليها سريعًا ثم عرض عليّ أن يهديني إحدى الهريرات التي ولدت حديثًا في بيت جيرانه، لكنني لا أملك من الطاقة ما يجعلني قادرة على العناية بأحد، لأنني بالكاد أعتني بنفسي وأقوم بواجباتي الحياتية المرهقة، أنا منهكة للغاية وفقيرة الطاقة ولا أستطيع أن أتحمل مسؤولية أي حي آخر، وأقاتل طوال اليوم في معترك الحياة الصاخب لأعود شبه زاحفة إلى فراشي كل ليلة، أنا بالفعل لا أستطيع.
منذ ثمانية شهور، كان الذين يعملون معي يشتكون من فرط طاقتي ومن قدرتي على البقاء متيقظة لفترات طويلة بينما يتعبون ويحتاجون إلى النوم، أما هذه الأيام فإنني أبذل من الجهد الكثير لأدفع نفسي للقيام بأشياء عادية، كنت أفعلها دون أن أنتبه إلى صعوبتها في الأصل.




لازالت مشكلة فقدان الشغف هي الشيء الأكبر الذي نحاول معالجته الآن، فقدت شغفي بكل شيء وممارسة الكتابة الآن هي طريقة للتعافي، لكن شعوري بالفشل يستدعي أحداثًا قديمة ترسخت في ذاكرتي وهذا يجعلي أشعر بالحزن بشكل مفرط، كأن ذكريات السوء الماضية وجدت فيّ ضعفًا فتكالبت حول روحي المشققة، ولأتغلب على هذه المشاعر يقترح الطبيب أن أقوم بعمل خطة لخمسة سنوات قادمة في حياتي لخمسة أهداف على الأقل ربما أجد شغفي المفقود بالحياة والأشياء الأخرى، لكنني لا أعرف ماذا أكتب في هذه الخطة، ولا أعرف ماذا أريد أن أفعل، كأن كل شيء انمحى  من داخلي، وحل مكانه لونًا رماديًا بلا ملامح.. ولكنني سأحاول.. سأحاول.

على الهامش:
أشكر الذين يرسلون إلي رسائل الدعم الإليكترونية، لقد وصلتني رسائل كثيرة في الفترة الماضية، أشكركم لأنكم تعوضون جزءًا جيدًا من طاقتي المفقودة، وتساعدونني برسائلكم هذه على تقليل المسافة الزمنية للمرحلة التي أعيشها الآن.. فشكرًا لكم.. الأمس واليوم ودائمًا.
شيمـــاء.



الجمعة، 31 مايو 2013

حَديثُ ذاتٍ.. 19




ثلاثة أصابع من بسكوت البندق مع القهوة.. وابتسامة أمي..!
أتناول قهوتي على عجل دائمًا، وأسرع إلى الباب قبل أن يلقي إلي أبي بقبلة خفيفة ودعائه اليومي.. «ربنا ما يحرمني من فرحتك يا بنتي».. فترد أمي بابتسامتها الواسعة مرة أخرى.. «ربنا كبيـــــــــــر»
نعم.. إن الله كبير.. كبير جدًا..!
في كل مرة تحدث أبي عن الفرح، لا أستطيع أن أرد عليه، وأنا لا أعرف عن أي فرح يتحدث، وأي فرح سينمو في حياة امرأة مثلي؛ يدس لها الناس السم في كل شيء، فصارت فزعة وخائفة ولا تشعر بأي أمان في هذا العالم.. وليس لديها إيمان بأي شيء غير أن الله لن يجعلها غريبة في هذا العالم طويلاً، وأنه سيأخذها إلى عالمها الحقيقي في وقت ما.
كنت أفكر طوال اليوم في شراء أكواب قهوة جديدة؛ أمي تخبرني دائمًا ان إدماني على جمع أكواب القهوة غريب لأنني لا أستخدم إلا كوبًا واحدًا، وأبقي الأكواب الأخرى في الرف الأعلى في خزانة المطبخ، وقالت لي أمي أن لدي عشرين كوبًا..!
لا أعرف متى اشتريت كل هذه الأكواب، لكنني أعرف أنه كلما رأيت كوبًا جميلاً اشتريته وأخبرت نفسي أنني سأشرب فيه القهوة في وقتٍ ما، ثم أنسى ذلك وأنشغل بأشياء أخرى تافهة أيضًا..!
لدي امتحان في علم النفس خلال هذا الأسبوع، لقد عكفت على دراسة علم النفس منذ فترة قصيرة، وكلما عرفت أكثر وزاد علمي أكثر كرهت هذا المجتمع أكثر، مجتمع الجهل والخرافة والذكورية والعقد..!
قالت لي صديقة منذ أيام قليلة أن عيني فارغتان، لم أفهم معنى أن تكون عيناي فارغتان!
وعندما سألتها عن معنى ذلك، قالت لي أن بهما ذبولاً، وما عادتا تلمعان.. فقلت لها أني أحلم دائمًا ومنذ فترة قصيرة أنني وردة مثبتة في الأرض، تذبل كل يوم.. تسقط منها بتلة كل يوم.. ولكن ليس لها ذراعان لتلتقط بتلاتها الساقطة، فتشاهد نفسها تذبل دون أن تتحرك.. حتى يقصر ساقها تدريجيًا، كأنها تعود إلى الأرض مثلما بدأت من الأرض، وفي لحظة الدفن تحت الأرض أستيقظ خائفة..!
اقترحت صديقتي أن أقابل أحد أصدقاء زوجها، وعندما ذهبت بصحبتها ذلك المساء، صار ذلك «الذكر» يسألني عن دخلي ومقدار ما أنفق ومقدار علاوتي السنوية ومميزات وظيفتي المادية ونوع سيارتي وإن كنت اشتريتها بالأقساط أو أنني دفعت ثمنها نقدًا، أجبته أنني لا أشتري أشياء لا أستطيع أن أدفع ثمنها ولا أحمل مسؤوليات أدرك جيدًا أنني لن أستطيع أن أتحكم بها.
«الذكر» الذي يحب التدخين، تفكيره بسيط ودخله أقل من نصف دخلي بقليل، هو رجل يحب المال والمال والمزيد من المال ويريد شريكة تساعده في جمع مال أكثر، ويراني مغرورة، مع أنني لست جميلة بما يكفي، ولأنني لست بيضاء، لم تعجبه بشرتي القمحية. (صرّح لي بأنه يحب البيضاوات وأنه يريد امرأة تعمل ليحققا طموحاتهما المادية معًا)
«الذكر» الذي يحب التدخين يحب كرة القدم ولا يعرف شيئًا غير أسعار العملة المحلية، لا يفهم في الموسيقى ولا يقرأ ولا يشاهد أفلامًا بلغات أخرى غير العربية، ويرى نفسه مثقفًا. (أنا أكره المثقفين وكل من وصف نفسه بأنه مثقف)
«الذكر» الذي يحب التدخين وكرة القدم والمال صار يتعجب أنني لا أبذل جهدًا في استمالته، أنا جالسة قبالته ألعب بالمناديل الورقية، وأتحدث معه عن سيجموند فرويد وعن أمراض المخ،  ولا انظر إليه باحترام أو إجلال.. أنا لا أشعر بأي شيء سوى الفراغ.
الذكر نفسه، صار يحكي لي مغامراته العاطفية وكيف أنه يرفض الفتيات الغير مطابقات لمواصفاته، ولعله ظن أنني سأخاف وأحاول أن أفعل شيئًا حتى لا أفقد «عريسًا» محتملاً، لكنه لم يعرف أيضًا انني قابلته من أجل الفرجة فقط، وأنني لم أكن أحمل في نيتي أي شيء غير الفرجة المجردة..!
نفس الذكر قام غاضبًا لأنني كنت أسخر منه طوال الوقت، ولأنني خرجت عن حدود اللياقة عندما أخبرته ان كل القصة إذن أنه يريد أن يتزوج ببطاقة سحب آلي بيضاء اللون وأنا أضحك لأخبره أن معي بطاقة سحب بيضاء بإمكانه أن يخطبها الآن، وثار عندما أخرجتها من محفظتي!
وعندما هم بالرحيل، نظرت إليه ثم وضعت يدي على صدري قائلة بسخرية: «أرجوك.. ماتكسرش قلبي» 
قدت إلى المنزل وأنا أغني مع سيناترا.. 
And now, the end is here
And so I face the final curtain
My friend, I'll say it clear
I'll state my case, of which I'm certain
I've lived a life that's full
I traveled each and every highway
..And more, much more than this, I did it my way

وفي الطريق توقفت لشراء فشار بالكراميل والفول السوداني وكوبًا كبيرًا من عصير البرتقال.
ولم ينته العالم.. بعد.



الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

حديث ذات.. 15




أشعر باحتقان روحي شديد.. 
منذ شهر تقريبًا وانا أتصرف كأن هذا العالم لا يخصني ولا أنتمي إليه..
أنا غريبة عنه بالفعل، أكره المجتمع ولا أحترم شرائح كبيرة منه، أكره العقليات المتحجرة، وأكره الرجل الجالس بالغرفة المواجهة الذي كلما تحدثنا بسبب العمل لا يرى في إلا صدري، هو لا ينظر إلا إلى صدري فقط.. كأنني تم اختزالي إلى عضو أنثوي بحت!
هذا المجتمع، يمقتني ويكرهني ولا يحترم إنسانيتي، وهناك دائمًا «آخرون» و«أخريات» وأشياء كثيرة سخيفة بلا معنى تحيط بي من كل جانب، أتمنى أن يتحول هذا العالم إلى فراغ وأعيش فيه وحدي مع عشرة أشخاص أحبهم وكفى.
بالدور الثاني من هذا المبنى يقع مكتب الاستشاري المصمم للمشروع الذي أعمل به، وبالأعلى عدد كبير من النسوة، اللاتي يتسلين طوال النهار بالحكايات الزوجية والجنسية والعائلية، ويتشاجرن فيما بينهن على توافه كثيرة، ثم يأتين إلي لأحكم بينهن؛ ولكن من قال أنني أكترث لهن؟ أنا لا أهتم حتى إن أحرقن بعضهن بعضًا لأنهن نتاج هذا المجتمع الذي جعل الناس لا يعرفون كيف يعيشون ولا كيف يستمتعون وأنا أكره المجتمع الذي يجبر أفراده على أن يكونوا جاهلين ليتمكنوا من العيش.
واحدة منهن تشك في أن زوجها متزوج عرفيًا من صديقة لها تعمل بالمكتب ذاته، وأخرى تحاول الإيقاع بأعزب وسيم يعمل كنائب كبير مهندسين وتجتهد في ذلك اجتهادًا مريرًا مثيرًا للشفقة حد الغثيان، وأخرى تخون زوجها مع شخص آخر لأنها لم تذق الحب وأرادت أن تحب فأحبت وجنت وفجرت أيضًا، وامرأة مطلقة تزوجت عرفيًا بشخص يرغب في تركها لأنه يريد أن يتزوج رسميًا بأخرى وهي تشعر بالتعب وتريد أن تستبقيه بأي ثمن، وهناك أيضًا من كُسَر قلبها حديثًا وتحاول أن تجد عندي كلمات لتصطبر بها على الألم والوجع وتحتاج إلى الكثير من الطاقة بينما أنا لا شيء عندي لأقدمه لأحد، وهناك هذه البيضاء الجميلة التي تحب رجل أكبر منها بنحو عشرين عامًا لأنها فوق الثلاثين وتعتقد أنها لن تجد من يتزوجها سواه بالرغم من أنه متزوج بالفعل.

كل هؤلاء النساء يأتين إلي لأنهن يحتجن إلى الدعم، وأنا لا أكترث، هذه نتاجات المجتمع فلماذا تقع مصائبه فوق رأسي؟ أنا لا أحتاج إلى ذلك لأنني أعاني من المجتمع بالفعل فلا داعي لأن يصب قذاراته عندي، وكنت منذ البداية اخترت ألا أختلط بأحد في العمل لأنني لا أريد أن أعرف شيئًا عن الآخرين.. لا أريد.. الآخرين لا يثيرون رغبتي في المساعدة، لكنهم يجعلونني أكره المجتمع أكثر وأكثر.. وأكثر.

قالت لي إحدى اللاتي أعرفهن مرة أنني أكره الأخطاء الكثيرة وأمثالي يعيشون بعذاب نادر، لا يشفيه شيء إلا أن يموتوا.. فينتقلون إلى عوالمهم الحقيقية حيث النور والخفة والهدوء الذي لا يلوثه الناس بأمراضهم، وإلى أن أنتقل إلى هذا العالم الملون الجميل الذي لا يشبه هذا المجتمع المشوه الحقير، سأظل أكتب هنا.

وفي خلال هذه الفترة من الكآبة التي تصيبني عند بداية الشتاء-بالرغم من إنني أحب الشتاء- لفت انتباهي استطلاع رأي تقوم به التايم الأمريكية لاختيار شخصية العام، وقائمة الاختيارات هذا العام مليئة بالسفاحين السياسيين والديكتاتوريين والرأسماليين، وبين كل هؤلاء المذنبين توجد فتاة واحدة صغيرة بريئة تستحق التصويت لتكون شخصية العام وهي «ملالا يوسفزاي» التي حاولت طالبان قتلها لأنها تدافع عن حقها الإنساني في التعليم والاختيار، والمثير للضحك أن هناك تصويتات جماعية تتجه نحو السياسيين والديكتاتوريين بأرقام كبيرة، بينما أن لا أحد يصوت لملالا حبًا في الإنسانية وفي حق الفتاة في الاختيار والتعليم، كل التصويتات تتجه للعصبية والقبلية والطائفية والرأسمالية السياسية الحقيرة.

وأنا اطلب منكم ان تصوتوا لملالا على هذا الرابط.. لأن ملالا فقط وأمثالها هم من يمنحون أمثالي سببًا للحياة هنا في هذا العالم، الذي ربما يكفر بالسلطة والمال ويعتنق الإنسانية.. في يوم ما..!



الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

حديث ذات.. 13



إنها الإجازة السنوية إذن!!
حاربت حروبًا ضروس من أجل هذه الإجازة التي حصلت عليها ولا أعرف ماذا سأفعل بها حتى الآن، مضى منها أسبوع كامل وأنا ألعب ألعاب المغامرات الإليكترونية فأبحث عن مفاتيح وجثث وجماجم وما إلى ذلك طول الوقت، ومعي رواية البصيرة لساراماجو التي لم أنتهي منها بعد واليوم خرجت لأمشي مع والدي قليلاً على «الكورنيش» حيث الأطفال وبائعي البطاطا والحلبسة والترمس، ثم عدت إلى المنزل لأشاهد فيلمًا كوميديًا مكررًا مع أسرتي، ثم انسحبت لمحادثة إليكترونية مع صديقة، ثم قررت الآن فجأة أن أكتب شيئًا لا أعرف ما هو، لكنني أخذت علبة «كوكاكولا» من الثلاجة وفتحتها ثم جلست أكتب، ولمن لا يعرفني جيدًا أقول إنني لا أتناول المشروبات الغازية أبدًا ولا أحبها، وهذا خطبٌ جلل أن أشربها بنفسي دون ضغط من أحد.

لا أريد أن يرتبط القدوم إلى الوطن بالخذلان عندي، ولا أريد أن يرتبط العيد بالألم، لكن الأحداث المؤلمة عادة تختار أوقاتًا مميزة لتخريبها ولا أفهم ما هي ميكانيكية حدوث ذلك، لكن هذا يحدث معي باستمرار، فاقترحت إحداهن علي أنني ربما مسحورة أو معمول لي «عمل» بخراب الأشياء التي أحبها، وأنني ربما أحتاج إلى معالج أو ما شابه لفك السحر، ثم قالت أنني ربما بي «عين» لأن الخراب الذي يلم بالناس والعلاقات والأشياء التي أهتم بها وأحبها غير طبيعي..!!
والله ما تخيلت أن يقترح علي أحد مثل هذا الاقتراح، أعرف أنني ملعونة فيما يتعلق بأشياء كثيرة، وسيئة الحظ عادة فيمن أقابل لدرجة إنني صرت أشك في وجود البشر الأسوياء أصلاً، وأنني أرى السيكوباتيين يتجولون على البسيطة طوال الوقت وأرى النرجسيين يمشون بالشوارع بشكل عادي جدًا، وتذكرت حينها الطفل في فيلم الحاسة السادسة إذ يقول: «أنا أرى أمواتاً.. طوال الوقت ولا يعرفون أنهم أموات » وأنا أيضًا أرى سيكوباتيين ونرجسيين طوال الوقت؛ وهم لا يعرفون أنهم مرضى.

للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا يضايقني البدر الذي يعكس نوره على شرفة غرفتي، اكتشفت اليوم أنني لا أحب القمر ولا أطيقه، بل أنني أهرب من رفع رأسي إلى السماء لئلا أراه، لكنه موجود بالأعلى والناس يحبونه، ولأن كل الناس يحبونه أعتقد أنه لن تضره كراهيتي..
فأيها القمر البدر السخيف المستدير المنير الذي يعكس نوره على شرفتي.. أنا أكرهك..!
من أكثر الأشياء التي كنت أحب رؤيتها في الكورنيش هو الحب المتجول على الأرصفة، هذا الحب المجاني وكل العشاق والمخطوبين والمتزوجين حديثًا حين يسيرون بأيدٍ متشابكة خشية أن تتسرب منها أحلامهم، كنت أحب أن أرى ذلك ولكنه ساهم اليوم في زيادة شعوري بالخذلان والفراغ، ولا أفهم لماذا يمعن الوطن في تعذيبي بالرغم من أني مواطنة صالحة أدفع الضرائب ورسوم التصاريح كلها بانتظام ولا أكسر القوانين ولا أرتكب المخالفات وأدعم الصناعات المحلية الرديئة!!
فـ ليه كده يا وطن؟؟
لدي مواعيد مقابلات مؤجلة مع أصدقاء عديدين، ومواعيد للقهوة والحكي مع كثيرات، لكنني أخشى أنني لن أستطيع الوفاء بالتزامي هذا، أنا أحتاج إلى طاقة للتغلب على الخذلان والفراغ، والسيكوباتيين والنرجسيين.
أعتقد أني يجب أن أغلق هذه الشرفة التي تسمح لنور القمر بالدخول إلى هنا، لا أريده أن ينعكس على مرآتي، ويجب أن أذهب للنوم.. 
تصبحوا على خير..
 P.S : اللهم عليك بالسايكوباتيين ومن والاهم!!

الخميس، 2 أغسطس 2012

حَديثُ ذاتْ.. 10




قبل أن تمد عينيك لقراءة هذا الحديث؛ يجب أن تعلم أنه ليس جميلاً وليس سعيدًا ولا يتحدث عن الحب أو الشوق، ولا علاقة له بالأمل والغد وكل هذه الأشياء الملونة، ولا يمثل ابتزازًا عاطفيًا من أي نوع كما سيخطر على بال البعض، وليس شحاذة عاطفية كما سيظن آخرون، إنما هو حديث ذات أردت أن أكتب فيقرأ عابر يشعر بالقتامة مثلي فيعرف أنه ليس وحيدًا، لذلك فإنني أحذرك يا من ستقرأ هذا الكلام، إن كنت عاشقًا أو متفائلاً أو سعيدًا لأي سبب حتى لو مؤقت وأطلب منك أن تغلق هذه الصفحة وأن تفعل شيئًا أكثر إبهاجًا من قراءة ما في السطور التالية.
وإن كنت تنوي أن تنصحني، أنا كبرتُ على النُصح، فاجعل نصحك لنفسك يا صديقي، وإن كنت تظنني شديدة التشاؤم فأنا أقول لك: تعال وعش قليلًا مما أكابد وبعدها ستعرف السر كله!!
أما إن كنت في مثل حالي فمرحبًا بك، ولعلنا في مرحلة ما سنبدأ في اتخاذ الخطوات اللازمة لتأسيس نقابة تمثلنا، لنطالب بحقوقنا التي تبدو بديهية عند هؤلاء السعداء المبتسمين.

في أول أيام رمضان المبارك بلغت الثانية والثلاثين، لا أعرف لماذا انزعجت من الرقم، أنا في الثانية و الثلاثين، كبيرة بما يكفي لأعرف إلى أين سأذهب، لم أحصل على قصيدة في يوم ميلادي ومضت ليلة ميلادي كأسوأ ما يمكن أن تكونه ليلة ميلاد، ولكنني حصلت على علاقة مفاتيح من الفضة والكريستال والذهب الأبيض من أمي، وزجاجة عطر فضية من أخي ، ومبلغ من المال يكفي لشراء الكثير من الكتب من أبي، أما أختي، فلازالت تبحث عن شيء ليس عندي منه!!
واكتشفت ماهيتي، اكتشفت نفسي ، أنا لست سوى بلدة صغيرة مهملة وحزينة، ليس فيها أي شيء سوى أنها محطة قطارات، تنظر كل ليلة إلى أرصفتها اليتيمة التي لا يغمرها نور قمر، ولا يصلها من الشمس إلا الحرارة والجفاف والعطش، وتنتظر اليوم التالي بالكثير من الصبر، بالكثير من الدعاء.. عل يزورها المطر!!
بلدة صغيرة مملة لا يسكنها أحد، لم يفكر أحد في أن يعيش فيها، لم يفكر أحدٌ في تأثيثها من الداخل، لم يفكر أحدٌ في أي شيء، الناس يمرون، مسافرون في حيواتهم، يستظلون بخمائل روحها الكثيفة ثم يرحلون, وهي تتمنى زينة العيد، ترغب في أن يلعب في طرقاتها الأطفال بالبالونات الزهرية والزرقاء، وترغب في أشجار الميلاد الملونة المزينة بالحب، وترغب في صلوات صادقة بذلك المعبد القديم الملقى في مكان ما منها، وترغب أن يقيم العشاق زفافاتهم فيها، ترغب في أن ينثر بابا نويل السكاكر على أرضها وترغب في أشياء كثيرة، ولكنها مملة.. مملة.. مملة.. جدًا !!

نظرتُ إلى صفحة المتابعين بالمدونة وتفقدتُ الرسائل فيها، فوجدت رسالة مكررة من شخص يسمي نفسه معالجًا روحيًا، يعرض علي أن يخلصني مما أنا فيه، بالمجان ودون مقابل، ترك لي هاتفه وعنوانه وبريده الإليكتروني لأتصل به، ليرسل لي عدة طرقٍ للعلاج تتناسب وحالتي، الشيء المخجل في هذا الأمر كله؛ هو أنني صرت أثير شفقة الدجالين!!
حتى الدجالين، الذين يمارسون النصب على الآخرين، صاروا يشعرون بالشفقة عليّ، وصاروا يعرضون العلاج علي بالدجل، فهل أبدو سقيمة إلى هذه الدرجة ..!! هل أنا سقيمة حد الشفقة؟؟ يا الله .. يا الله .. ما أرحمك وما أقسى عبيدك!!

من الأمور المفزعة أيضًا التي منعتني من الكتابة لفترة طويلة؛ الفتيات اللاتي يعتقدن أنني قدوة، وأنني رائعة، وأنني .. وأنني.. وأنني .. وأشياء كثيرة!!
إن كان هناك من يريد أن يقتدي بي، فله أن يقتدي بي في وظيفتي، أنا متفوقة فيها، أحصل على راتب جيد، وحصلت على لقب سينيور منذ أيام، و أترقى فيها بسهولة، أنا منظمة ومرتبة وذكية في كل ما يتعلق بالعمل، وأستطيع إدارة مشاريع تزيد قيمتها عن سبعين مليون دولارًا أمريكيًا دون خسارة، ولا أستطيع أن أدير حياتي بمثل هذه المهارة!!
كانت قد أخبرتني إحداهن، أنها تتفاءل بكل ما أكتب من فرح، وتبتئس إذا وجدت أنني أكتب عن الألم، و هذا شيء لا أريده ولا يعجبني، فلا أريد أن يبتلي أحد نفسه بما فيّ، ولا أريد أن يرى أحدٌ نفسه فيّ، أنتم لا تحتاجون إلى هذا القدر من التشويه، لا تحتاجون إلى المزيد من الألم، لا تحتاجون إلى التشتت والبعثرة والنزف، هذه الأشياء خلقت لناسها، وأنا منهم، وأريدكم أن تكونوا أسعد حالاً وأفضل حظاً مني، فلا تفكروا مثلي فتشقوا على أنفسكم دون داع، غير أنني أدعو الله في كل ليلة أن يجنب الآخرين ما يلم بي من وجع، فلا تسعوا إلى ما لا قبل لكم به!!

أعرف شخصًا ما سيفرح أنني متعبة ومتألمة، و سيظن بعقله المريض أن الله يقتص له مني، لأنني مفترية- نعم مفترية- رفضت أن أبادله مشاعر لا أحتاج إليها لأنني أكره أن يختارني أحدهم لخيانة زوجته وأبنائه الثلاثة..!!

نصيحة أخيرة لكل من يقرأ هذا الكلام واستطاع أن يصبر عليّ حتى انتهيت منه، حاكم الناس على أخطائهم، إجلدهم، كن أكثر ذكاءً مني، لا تسامح أحدًا على ذنب ارتكبه في حقك، اجعلهم يخشون غضبك وتقلباتك، لأنك إن لم تفعل، ستكون محطة قطارات مملة وأنت في الثانية والثلاثين..!!

إنتهى ..!



الجمعة، 11 مايو 2012

طُقوسْ : يَوْمُ الْجُمْعَة


يوم الجمعة..
أفقتُ على نهاية حلم يقول فيه شخص ما إنني سأكون بخير.
أعرف أنني سأكون بخير، لأن أمثالي دائمًا بخير، حتى وإن تألموا قليلاً أو بكوا قليلاً، لأن الله سيجعل قلوبنا تبتسم دائمًا بطريقةٍ ما، تذكرتُ وأنا على فراشي اليوم أنني لا تعجبني الستائر الجديدة، كنت أحب ستائري الخفيفة سكرية اللون المنقوشة بزهور حمراء، لكن أمي الحبيبة - جزاها الله عنا خير الجزاء - غيرت الستائر إلى أخرى بلونٍ غامق، يتماشى مع أثاث الغرفة البنية، فالستائر الجديدة لها تعريجات عريضة أنيقة باللون الذهبي والبني الفاتح والبني الغامق مع زهور منثورة بلون ذهبي غامق قليلاً، هذه الستائر الثقيلة لم أحبها كما كنت أحب الستائر القديمة التي كنت أرفض تغييرها، حتى انتهزت أمي - حفظها الله - وجودي في العمل ذات مرة ثم عدت إلى المنزل في المساء لأرى الستائر الثقيلة معلقة على نافذتي الكبيرة، فصرتُ أسأل عن ستائري القديمة إلى أن جاءت إجابة والدي الحبيب: «خلاص بقى، الستاير الجديدة أشْيَك».

«ذوقك مُرْهِق جدًا..»
قالت ذلك ثم إلتفتت إلي بينما أبحث عن بلوزة بيضاء بها نقوش سوداء، وحتى لا أسمع مثل هذه التعليقات فإنني أفضل أن أتسوق ملابسي وحدي، أعرف أن ذوقي صعب ومرهق، وأعرف أنني صعبة الإرضاء، وأن بي من هذه العيوب الكثير، وأعرف أنني لا أتراجع ولا يستطيع أحد إثنائي عن شيء ما دمتُ أريده، وأعرف أنني لا أتسامح، ولا أؤمن بفلسفة «الفرصة الثانية» ولا أعرف كيف أتبعها، لأنني أعرف أن الفرص الثانية تضيع كما الفرصة الأولى، ومن حق كل إنسان فرصة واحدة كاملة متكاملة ومرنة بما يكفي لاستيعاب الأخطاء وتفهمها، أما إن فسدت الفرصة الوحيدة فإنه لا داعي لتكرار المنح، لأن الناس إذا مُنحوا فرصة ثانية فإنهم سيكررون نفس أخطائهم، وهذا شيء أعرفه تماماً كما أعرف جداول الضرب العشرة الأولى، وأنا لا أحب أن أضيع وقتي، وهذا الدرس يبدو نزقًا وعسيرًا لكنني أعرف أن من وصل إلى الثلاثين وتعداها فسيحسن فهم ما أحاول شرحه.

تغمرني فكرة «الرجل الوطن» التي كانت تخيفني دائمًا، فكرة أن يتلخص الوطن في شخص واحد، تنتهي عنده محطات الترحال، ويبدأ القلب في ربط مركبه الوحيد البالي بمرساه، رجل تتعلق أحلامي بأطراف أصابعه وتخرج ابتساماتي من شفتيه، ويهطل الحنان بغزارة من جنبات صدره على ثنايا روحي، يثبت أن الخرائط فكرة فاشلة وأن المسافات ليست سوى أرقام لا تعنينا في شيء، والطفولة كما الحب تُمارس طوال الوقت دون اعتبارات للزمن، يفتح أبوابًا تغري بالحلم، كل الأشياء معه أول مرة، وكل مرة معه في كل شيء أجمل من كل مرة!!
رجلٌ كل أطواره حلوة كفصول السنة؛ هادئ في حزنه كالشتاء، رقيق في نفسه كالربيع، عنيف في مشاعره كالصيف، ومثير للحب كدفء الخريف، كلما فكرتُ فيه همس عبد الوهاب مطاوع - رحمه الله - في أذني قائلاً:
«إن أطهر النفوس النفس التي اختبرت الألم فرغبت أن تُجنب الآخرين مرارته»..
 فأبتسم، أفهمه أكثر، أقدره أكثر.. وأحبه.. أكثر!!

الأحد، 15 أبريل 2012

حديث ذات .. 8




أكتب اليوم لأنني أحاول أن أخرج من رأسي بعض ما فيه، تزاحم الأفكار يصيبني بالصداع فهي تركض وراء بعضها مثيرة الكثير من الجلبة وتركل جنبات جمجمتي بعنف شديد، يجب أن يخف ذلك الازدحام المؤلم حتى ولو قليلًا، وربما يتسع صدري بعض الشيء، خاصةً وأنني أشعر كأن هذا العالم الكبير بسكانه وضوضائه وحرائقه انتقل إلى صدري الضيق!
أتيت اليوم إلى المكتب ولا عمل لي فيه، فقط أردت أن أبتعد عن مكان يعج بأرقام كثيرة وأناس يتحدثون عن بنود قانونية في عقد شديد التعقيد، نعم بالفعل أنا هاربة من العمل بذاك المشروع إلى هنا، لا أحد اليوم بالمكتب، أنا وحدي تماماً ومعي بعض الموسيقى، الموسيقى هي العامل الحفاز الوحيد الذي سيسهل خروج بعض الأفكار من رأسي، لم أختر روب كوستلو هذه المرة، روب كوستلو جريح القلب في الأساس وجراحه تتدفق منها الموسيقى لتشفي جروح الآخرين وأنا لا أحتاج إلى ضمادات؛ أنا بخير، لكن الأفكار ستنساب إلى الورق باحتراقات ياني فقط، نعم هذا هو وقت ياني.

عندما وصلت في الصباح، وجدت أن «كارول» مسؤولة النظافة استبدلت ملطف الجو خاصتي بالياسمين وأنا أستعمل الفانيليا، وعندما سألتها ابتسمت و قالت: "وما الفرق؟"، أجبتها: "الفرق هو أنني لا أريد الياسمين"، قالت: "لكنك طلبته منذ شهر!"، قلت: "أنا أريد الفانيليا الآن!" قالت: "حسنًا في المرة المقبلة سأطلب لكِ الفانيليا."
المكتب يمتلئ الآن بعبير الياسمين ولا حيلة لي في ذلك إلا أن أقوم بشراء عطر الفانيليا اليوم، كنت أستعمل الخزامى الحزينة منذ فترة بعيدة، لكنني أحببت الفانيليا لأنها مليئة بالفرح، مبهجة وشهية وأنثوية، لا تستعمل في حداد ولا تليق أن توضع في أكاليل على المقابر، لكن المشكلة أن رائحة الفانيليا المنبعثة من ملابسي ذابت واندثرت وسط زخم الياسمين!!
طلبت شايًا أخضر منذ دقائق، فدخل المضيف حاملاً إياه في كوبي الأبيض، وضعه على مكتبي وانصرف، وعندما هممت بالارتشاف منه وجدته حلوًا، مثل هذه الأشياء الصغيرة تضايقني، وتغضبني جدًا كأن ينسى أحد ويضيف السكر إلى قهوتي وأنا أحبها مُرة ولا أعترف بالمحليات إلا إذا هزمتني المرارة، إن الذين يضيفون المحليات والسكر إلى شرابهم يرفضون تذوق الطعم الحقيقي لما يشربون وأنا لست كذلك، أنا أحاول أن أتحمل الطعم الحقيقي لكل شيء، مر أو حاد أو حلو أو لاذع، لأنني أظن أن ذلك سيعينني بطريقة ما على تقبل طعم مواقف الحياة، لا أعرف لماذا أظن ذلك بالرغم من أنه لا يبدو حقيقيًا..!
كان لي موعد مع إحدى صديقاتي اليوم لكنني ألغيته، لا أريد أن يقوم معي أحد بطقس الأمومة، صديقتي هذه تعاملني كأنني طفلة صغيرة سقطت أرضًا فجرحت ركبتها واتسخت ثيابها وأنا لست كذلك، انا امرأة في الثلاثينات الآن لن يجدي معي ما كانت تقوم به، لا لشيء إلا لأنني أرغب في أن أقوم وحدي ولا أريد أن ينتزعني أحد من فوق الأرض، أريد أن أفعل كل شيء وحدي، سأبكي وسأعالج ركبتي وأبدل فستاني ثم أعود إلى اللعب في خضم هذه الحياة مهما استغرق ذلك من وقت..!!

في يدي الآن رواية طوق الياسمين لـ«واسيني الأعرج»، لا أعرف ما قصة الياسمين معي اليوم، حتى أمي الحبيبة في الصباح كانت تضع على غير العادة عطر الياسمين الأخير الذي اشتريته لها، و بالأمس عندما سرت بممشى على البحر لفتني رائحة الياسمين فانتبهت إلى أن الأحواض الخضراء المحيطة بي كلها مزهرة بالياسمينات..!
كنت قد حصلت بالأمس على اسطوانة موسيقية جديدة لـ«محمد منير»، وشغلتها في السيارة، الموسيقى رائعة ولكنني لم أحتمل كلمات الأغاني، فبعد الأغنية الثامنة أخذت الاسطوانة من المشغل وألقيتها خارج سيارتي من النافذة، أنا لا أريد أن أسمع هذا الكلام لأنه جميل جدًا لم أستطع أن أتحمله فتخلصت منه قبل أن تدمع عيناي، لذلك لجأت إلى ياني، حيث لا كلام.. لا شيء.. فقط إحساس ونغم.
أحياناً أفعل ذلك، بل أنني في مرة أعجبني ديوان شعر عامي قرأته كله وعندما بدأت في البكاء قمت بإحراقه،  وتلك الموسيقى صارت تنحت في روحي والكلمات مؤلمة كالوشم، وأنا مشوهة بالفعل، فكأن كلمات أغنيات «محمد منير» اتحدت مع الياسمينات في هذا العالم في مؤامرة ضدي مستغلين ضعفي وألمي وانعدام رغبتي في المواجهة هذه الأيام.

مزاجي مرتبك، واليوم طويل ولا يريد أن ينتهي، أريد أن أترك العمل وأذهب إلى البيت لأغسل نفسي من الياسمين الذي علق عطره بملابسي، أريد أن أتسلل إلى فراشي و أن أسدل الستائر الداكنة على النوافذ كلها، ثم أستسلم إلى النوم لأغمض عينيّ ولا أرى أحدًا، الأرق يمنعني من الراحة و يجهدني كثيرًا ويملأ وجهي بالخيبات والكوابيس والظنون والارتباكات ويجعل مشاعري سهلة القراءة بالنظر المجرد إلى ملامحي، وعقلي يعمل بلا هوادة منجبًا تلك الأفكار المشاغبة التي حاولت أن أسكب بعضها هنا، عل الصداع يرحل حتى ولو جزئيًا.




الاثنين، 30 يناير 2012

حَديثُ ذاتْ .. 5






أحيانًا أتوقف عن الكتابة لأن الأفكار ما عادت تحملني عليها ، لا أجد ما يستحق أن أكتب في ذهني ، فأكتب لنفسي دون أن يقرأ أحد ، فقط من أجل التنفيس عن أشياء ربما لا أستطيع أن أكتبها الملأ ، لأنني أكتب بنظرية الشجاعة ، حيث أنه يتطلب الكثير من الشجاعة أن تتجرد أمام الآخرين من ملابسك ، و الكتابة تعرية للذات مما ترتدي ، و لكن الناس لن تعرف أبداً أكثر مما تكشف و هنا تكمن كل الخدعة و كل المقدرة و القدرة .
الحزن أيضًا يمنعني من الكتابة ، لقد توفيت إحدى قريباتي شديدات الوحدة في شقتها  دون أن يكون معها أحد ، لقد سقطت ميتة و اكتشف الجيران موتها بعد عدة أيام لانتشار رائحة كريهة بالمبنى المتواضع الذي أقامت به ، كانت هذه المرأة زاهدة ، كثيرة التصدق و الصلاة ، و كانت تأخذ على عاتقها الكثير ، و لم يكن لها أحد ، من المؤلم أن يقضي الإنسان حياته موجوعًا يخفي وجعه و مرضه في مساعدة الآخرين في التخفف من آلامهم و أحزانهم ، و يخفي حزنه الشخصي في سعادة الصغار و اليتامى و المساكين و المحوجين ، ثم تمر به الحياة إلى نهايتها و يموت وحده .
لم يكن لهذه المرأة أولاد ، و لم تتزوج أبدًا ، و لا أعرف إن كان أحدهم بكاها أكثر من الذين احتاجوا إلى دعمها و مساعدتها ، لذلك أريدكم أن تذكروها في صلواتكم و في سجودكم .. ادعوا للعمة أشجان .. غفر الله لنا و لها .

في منتصف اليوم أرسلت لي إحداهن رسالة نصية تقول :
" قرأتُ في مكانٍ ما أن لحظة حبٍ واحدة تبررُ عمرًا كاملًا من الانتظار .. فأحببتُ أن أوصل لكِ هذه الجملة  .. :) "
و التفت إلى تويتر .. فوجدتُ الجميلة دلع المفتي تقول :
"يومًا ما ... ستلتقي بشخصٍ يجعلك تفهم سر انتظارك طوال تلك السنين .. " 
و السؤال هو :
أحقًا بعد كل السحل الروحي و العاطفي  و التعذيب النفسي الذي تعرضتُ له ، سيجد هذا الخيالي  - إن أتى أو وُجِد في الأساس - شيئًا لأعطيه له ؟؟ 
هل ستكون لدي طاقة حقيقية تجعلني قادرة على بث الدفء فيه إن شعر بالبرد ، و بث الثقة فيه وقت شعوره بالضعف ؟؟
أم أنني يجب أن أعلن وفاتي داخليًا و أن أضع على قلبي شاهد قبر يقول : " لا تنتظر أحدًا .. فلن يأتي أحد .. ( كما تقول صديقتي لمياء محمود ) "
لا أعرف .. حقًا .. لا أعرف !!

تذكرتُ شخصًا قابلته منذ سنوات عدة كان مصابًا بالوسواس القهري ، و كان يرغب في التقدم لخطبتي بالشكل التقليدي لكننا لم نستمر لأسباب كثيرة منها أنني لم أكن له أية مشاعر و هو لم يستطع أن يهضم شخصيتي المستقلة ، كان أول ما قاله لي : " أنا باكل بمعلقة لوحدي و ليا في بيتنا معلقة لوحدي و كوباية لوحدي .. "
و لا أعرف لماذا وجدت نمفسي أضحك بشدة كلما تذكرت هذه الجملة ، وقتها كنت صغيرة ، كنت في الثالثة و العشرين تقريبًا .. 
و لا أفهم كيف قبلتُ أن أستمر في الحديث معه في تلك الجلسة ، لأنني لو أن أحدًا قال لي هذا الكلام الآن ، لسمع مني من الكلام ما لم تسمعه أذنه من قبل ، لقد تغيرتُ كثيرًا .. !!

و قبل أن نختم حديث الذات ، هناك شخص ينتظر مني ردًا على تعليقٍ تركه .. و هاكم صورة التعليق ، حتى يعرف نفسه صاحبه : 



بإمكانكم الضغط على الصورة لرؤية الصورة بحجمها الطبيعي ..

التعليق يقول :
أطلب من صاحبة المدونة الفاضلة حذف هذا البوست بالإضافة إلى بوست عزيزي فستق المدوّن في شهر إبريل، دون الاستفسار عن السبب. وشكراً مقدّماً.

و له أقول :
يا سيد ... أحمد - كما تطلق على نفسك و أنا و أنت نعرف أنه ليس اسمك - هذه المدونة خاصة بي ، إن كان بها ما يضرك فقط لا تمر و لا تقرأ ، و ارحم نفسك  .. 
أما أن تعتقد أنني سأقوم بمحو أو إلغاء موضوع ما بناءً على طلب أحد ، فإنني لن أفعل ذلك ، حتى و إن سردت لي من الأسباب مليارًا ..
فقط ارحم نفسك .. و توقف عن القراءة و المرور من هنا ، لا تضايق نفسك .. أعتذر عن تلبية طلبك !
و هذان هما الموضوعان اللذان طالب بحذفهما السيد .. ( الذي يسمي نفسه أحمد ) ..

و هذان الموضوعان بالمناسبة لا علاقة لهما ببعض .. و لا أفهم لماذا يطلب السيد ( أحمد ) حذفهما ، و لا أريد أن أعرف أسبابه .



على الهامش : ( إليه .. )



أتعلم ، تغريداتي الليلية التي أكتبها في نوبات حنيني إليك تصل إلى قلبك في شكل شعورٍ غامض فجائي بالغربة ، نعم .. هذا الشعور هو أنا.. !!
هذا الشعور الذي يخترق كل الجالسين حولك ليستقر في صدرك .. لتشعر بان شيئًا ليس صحيحًا .. !!
كل هذه المسافة لا تخلق بداخلي إلا احتياجًا لضعفك و هشاشتك التي تخفيها و قوتك التي يعلمها الجالسون حول طاولتك البيضاء !!
ما أبطأك في البحث و الإدراك .. :) 
طابت ليلتك .. أيها الناظر إلى الدائرة المظلمة حول القمر الفضي !!

شيماء علي

الجمعة، 6 يناير 2012

حَديثُ ذاتْ ... 4




أحاول منذ ثلاثة أيام أن أعزف مقطوعة ما  .. لكنني لم أجد نوتة موسيقية صحيحة أو دقيقة ، و لم أستطع الحصول على أية نوتة موسيقية دون أن أدفع ثمنها ، أنا أدفع ثمن كل الأشياء تقريبًا ، و كما قال أحدهم : " لا شيء بلا ثمن .. كل شيء في هذا العالم يأتي بملصق صغير عليه ثمنه .. لا توجد أشياء مجانية ، و الشيء الوحيد الذي يأتي بلا ثمن عادةً هو العاطفة التي يتقاسمها الوالدان و الأبناء فقط "
و عليهِ .. فإنه يجب علي أن أدفع ثمن المقطوعات التي لا أعرف أيضًا إن كانت نوتاتها الموسيقية صحيحة أو  ليست أصلية .

تناقشت مع أحد أصدقائي الطيبين - او هكذا يبدو - بخصوص الشهداء و حقوقهم .. لم يكن الحديث مثمرًا ، فمن الواضح أنه إما أنني أتحدثُ بلغة لم يفهمها هو ، و إما أن لدي مشكلةً في الشرح و توصيل المعلومة ، و كان قد أكد لي كثيرون أنني أكتب أفضل مما أتكلم لأنني في الواقع شخصية صامتة قليلة الكلام و لا أتحدثُ كثيرًا ، فيبدو الكلام مرهقاً بالنسبة لي ، بل أعتقد أن الكلام أو الحديث لغةً لا مدلول لها في عالمي الخاص الذي يتكون من القلم و الورقة و البيانو و نوتات الموسيقى و الكتب .. !!
لم أفهم أي جزء يصعب استيعابه مما ناقشته مع صديقي الطيب ، حاولت أن أخبره أن الفكرة كل الفكرة أن بإمكان أهل الشهيد التعايش مع فكرة موته ، و بإمكانهم تقبل قدرهم أيضًا ، و لكنه من المستحيل ألا ينتبهوا إلى غرفته الفارغة و إلى زجاجة عطره التي تركها في غير مكانها ، و إلى كرسيه الشاغر على موائد طعامهم .
الأسوأ من ذلك كله لن ينسى أحد منظر جمجمة ابنه المهشمة ، أو صدره المشقوق بالرصاص أو عينيه المفتوحتين و جسده الأزرق البارد ، هذه الأشياء لا ينساها أحد ، و من أجل ذلك يغضب الناس العاديون الطبيعيون الذين لا يعانون أية مشاكل ذاتية أو نفسية ..!!
و بالرجوع إلى قصة الثمن ، فإن الدم ثمن الحرية .. و العقاب ثمن القتل .. ببساطة إنه العدل ..!!
غادر صديقي مغاضبًا ، و لم أفهم ما علاقة التخريب بطلب العدالة القضائية !!

بعد أن انتهيت من رواية الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين ، كان يجب أن أحضر ردًا ملائمًا لما سردته لوسيت لنيادو من أحداث تاريخية و سياسية ، و لكنني لأرد على ذلك في مقال منفصل ينبغي علي أولاً مراجعة بعض الكتب التاريخية الخاصة بالفترة التي حكم فيها عبد الناصر مصر ، و ما صاحب ذلك من قرارات كالتأميم و خروج اليهود ، و استعنت بأحد الباحثين في التاريخ و قد زودني - جزاه الله خيرًا - ببعض الكتب اللتي يجب علي قراءتها أولاً حتى أستطيع أن أفهم تفاصيل الفترة تاريخيًا و سياسيًا .
لم تكسب لوسيت لنيادو المشحونة عاطفيًا بشكل سلبي تعاطفي بأي شكل من الأشكال ، فهي شديدة التحامل - في رأيي - و تعاملت بشكل ذاتي جدًا مع أحداثٍ كثيرة .

على الهامش :



عندما أكتب عنه فإنني أقول أنه يشبه الشعور الناتج عن تناول الاسبريسو الثقيلة مع الشيكولاتة الداكنة ، نعم هو ذلك الإحساس الناعم بالنشوة ، تلك الفخامة التي تصاحب البساطة الشديدة ، ذلك الطعم القوي الذي يظل على لسانك مدة طويلة و الذي تخشى أن يغادر فمك إن تناولت شيئًا آخر ،  هو ذلك الإرضاء الذاتي .. حالة حب النفس .. شخص أحبه لأنني أحب نفسي ..!!
هذه العلاقة الفريدة التي تشتعل في ظل إبقائه سرًا و في ظل عدم وجوده في هذا العالم الملموس بالأساس ، و نعم .. من فرط حبي له أود أن أبقيه سرًا كنوعٍ من الأنانية بالرغم من أن لا أحد يعرفه أصلاً  !!

أعرف أنني مجنونة و أن ما يجري بعقلي عادةً ليس منطقياً .. لكنني سعيدة .. أيضًا !!

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

الفاتورة الشخصية .. 2011




على الهامش : 
هذه مقتطفات من دفتر المذكرات البنفسجي الموجود في الدرج الثالث في دولابي  :) 


يناير .. 
الألم يتغلب على برد الشتاء في تفتيت عظامي .. 
المستشفى .. 
أسرة بيضاء ، ستائر وردية مخططة بالأبيض أو بيضاء مخططة باللون الوردي  ، رائحة المطهرات ..
و كانت أول جراحة أجريها في حياتي ..!!
كنت أقول دائمًا أنني أخاف الجراحات ، و لا أعتقد أنني سأتحمل أن يشق جسدي مشرط ، لكن المفاجأة هي أنني استطعت أن أفعل ذلك !!
و تحملت إبر الكانيولا التي كان يتغير مكانها كل ثلاثة أيام .
لولا أصدقائي الذين كانوا يسرفون في إهدائي الورود و الشيكولاتة و الكعك بحنان بالغ لما استطعت أن أتغلب على كل هذا الألم  ، فالحمدلله الذي منحني ما يعينني على الصبر .

فبراير .. 
لازالت زيارات أصدقائي مستمرة ..
لا أستطيع الحركة ، الكرسي المتحرك كان مشكلة أخرى ، أشعر بالعجز  بالرغم من أن الجراحة في ساق واحدة ، أشعر بالملل الشديد و لا أعرف ماذا أفعل سوى القراءة ، ماعدتُ أستطيع حتى الكتابة ، مزاجي سيء .
لم أتخيل أنني سأتعلم أن أحقن نفسي بالإبر أبدًا ، لقد تعلمتُ أن أحقن نفسي بالإبر التي تمنع تجلط الدم في ساقي المصابة نتيجة لقلة الحركة ، أحقن نفسي مرتين يوميًا ، لم أكن أحب الإبر أبدًا ، لكنني الآن إن لم أحبها ، فربما يتجلط الدم بساقي في كتلة صغيرة  ، و ربما تتحرك الجلطة إلى قلبي .. و أموت !!
كل الأحداث و الأشياء تشبه بعضها ، أنا أقف على الحياد من الحياة نفسها ، ربما لأنني استطعت غربلة الذين أعرفهم طوال يناير ، لأن الألم يفتح العينين ، الألم يجعلنا أكثر قدرة على رؤية الناس من داخلهم .

مارس ..
أول يوم في مارس ، جراحة أخرى .. 
إزالة هذا المسمار الكبير الذي يمنع حركة الكاحل ، شقٌ صغيرٌ بمخدر موضعي ، ثم خرجتُ و أنا على الكرسي المتحرك أيضًا ، أنا متعبة للغاية ، و لا أستطيع أن أتغلب على الألم .
عدتُ إلى المنزل ، ممارسة التمارين الجديدة كانت تشكل نوعًا من المشقة ، فلا أنا أستطيع أن أحرك مفصل قدمي ، و لا أستطيع أن أتحرك أيضاً ، و لكنني حاولت ، لتقليل الورم الذي تكون بعد الجراحة .
لازال فقدان الذين أعرفهم مستمرًا ، يبدو أنني لم أكن أعرف أحدًا أصلًا .. !!
الدائرة ضاقت .. و تقلص عدد الواقفين حولي .. و لازلت أقرأ .. !!
رواية رائحة القرفة .. هذه الرواية تتحدث عن حالة فريدة من الاستغلال الجسدي .. مكتوبة ببراعة ..!!

إبريل .. 
قرأت ثلاثية أحلام مستغانمي للمرة الرابعة تقريباً ..
أنا واقعة في حب خالد بن طوبال .. لا رجل يعشق بهذه الطريقة ، و أراهن أن خالد بن طوبال هذا عاشق لأنه كائنٌ حبري صنعته امرأة ، فالمرأة الكاتبة تستطيع رسم الرجال المثاليين ببراعة بالأحبار ، كأننا حين نكتب عن هؤلاء المثاليين ندفن فيهم إحباطاتنا المتتالية ، و نخلط فيهم الصور التي أحببناها في خيالاتنا المتقدة ، حين نمتلئ بالرغبة و الجنون و الحاجة إلى بطل عاشق .
صرتُ أخاطب خيالي كثيرًا ، حتى قفز هو من بين ذكريات الماضي الكثيرة ، و من بين فترة كانت براءتي فيها أقل بكثير من خبراتي ، كأنني أحاول استعادة نفسي فيه ، أحاول أن أتشبث بجزء أخير مني خفت أن أفقده ، جزءٌ اعتقدتُ أنه يخصه ، و لن يكون بمأمنٍ إلا معه ، بدأت مشاعري في استرداد حياتها ، بدأت صحتي تتحسن ، و أنا أتغذى على الأمل .. !!

مايو .. 
قارب علاجي على الانتهاء، صرتُ أمشي بمساعدة عكازات ، صارت الحركة أكثر سهولة من ذي قبل .
عرفتُ أن أحد أصدقائي سيذهب إلى بلده الآسيوي للزواج بفتاة أحبها عمره كله و لكن أهله لا يوافقون عليها لأنها ليست مثلهم ، لا تنتمي إلى طبقتهم لأن أهلها فقراء عاملين ، بينما أهله أصحاب الأرض و المال . 
و قد ذهب إحسان - اسم صديقي هو إحسان - إلى بلده تاركًا عمله و حياته كلها و راتبه الكبير لأنه يرغب في إنقاذ فتاته الضعيفة الجميلة البسيطة للغاية ، و استطاع بعد كل هذه السنوات أن يتزوج بها ، فقد كان حبه للفتاة كبيرًا ، كان إحسان يبدو عاشقًا مثاليًا  أيضًا ، يشبه أبطال الأفلام الرومانسية ، و أجمل ما فيه ابتسامته ، لأنه ربما لا يبتسم إلا في طفولة من قلبه الذي كان حزيناً للغاية .
شجعته على اتخاذ قراره ، شجعته على أن يذهب ، لأنني أردته أن يلحق بحلمه ، و المال و الوظيفة و كل تلك الأشياء سيسهل تعويضها فيما بعد ، أما الحب الذي عاش فيه نصف سنواته الثمانية و العشرين فلا أعتقد أنه سيستطيع أن يعوضه !!

لازال مجتمعنا لا يفهم ذلك ، مجتمعنا يلحد بالحب و يسمي الرغبة و الغريزة حبًا ، مجتمع يخلط و يشوه المفاهيم الجميلة ، و يمجد الجهل و الدونية .

يونيو .. 
عدنـــا إلى العمل .. 
صرتُ أمشي ببطء دون الحاجة إلى العكازات .. 
تم نقلي إلى قسم المناقصات ، حيث الفجوة كبيرة للغاية بيني و بينهم ..!!
حاولت أن أغير أشياء كثيرة ، حاولت أن أحسن أشياء كثيرة .. لكنهم مختلفون .
و فجوة الاختلاف بيني و بينهم كبيرة ، ففي هذا المكان الجديد ، يتحدث الجميع عن الجميع ، و يحقد الجميع على الجميع ، أشخاص تملأهم طاقات سلبية ، لدرجة أنك إن دخلت المكان  ، شعرتَ بانقباض صدرٍ و ضيق !!
الكراهية تملأ الجو بموجات سلبية ، تؤثر على كل شيء يحيط حولنا ، و هذا شيء لن يتغير ، و القبح الداخلي الغريب الذي يتمتعون به لم أره في مكان واحد بداخل كل شخص بهذا الشكل من قبل !!

أشعر بالإحباط .. و لكنني أكرر محاولاتي للاندماج معهم  .. لا أريد أن أشعر باليأس الآن .. نعم .. سأحاول !!

يوليو .. 
أنا في الحادية و الثلاثين الآن .. 
لقد كبرتُ بسرعة .. !!
لا أعرف لماذا لا أصدق أنني كبرت فعلاً .. !!
لم أحصل على أية هدايا هذا العام باستثناء هدية شقيقتي التي تمثلت في حقيبة ثمينة من القماش و جلد الثعبان  بالإضافة إلى قيام والدي بإجراء صيانة لسيارتي في الوكالة .
لم أعتقد في حياتي كلها أنني سأصل إلى الحادية و الثلاثين و أنا وحدي .. 
أعرف أن هذه فكرة كئيبة لا تتناسب و يوم ميلادي ، لكنها تميل إلى الحقيقة ، أنا وحدي تمامًا ، تحتاج روحي إلى ملجأ عاطفي ، و تحتاج نفسي إلى سكن حقيقي ، أحتاج أشياء كثيرة ، و أعرف أنني سأنغمس في الحزن إن بدأت في إحصائها ، و لأنني أكره الحزن و لا أراه ثقافة مناسبة ، اخترت أن أحصي كل النعم الجميلة التي تحيط بي من كل جانب ، أنا لا أريد أن ألتصق بالحزن ، و أكره أن أصير حزينة ، فالحزن خانق للغاية , و لكنني أغضب لأن الغضب صحي و مفيد .

أغسطس .. 
سبحان ذي الجبروت و الملكوت و الكبرياء و العظمة .. 
نحن في رمضان ..
رمضان .. الشهر الوحيد من العام الذي أشعر بالرحمات تتدفق فيه من السماء إلى الأرض ، و أشعر فيه بالكثير من الإيجابية ، فالخير الذي يغسل الناس من الداخل يملأ العالم بالموجات الإيجابية ، و هذه الموجات الإيجابية تجعل العالم مكاناً أفضل.
أصلي و أبكي .. 
أدعو أكثر .. 
اللهم إنك تعلم .. !!

سبتمبر .. 
لازالت الحرب الباردة في العمل مستمرة .. 
أنا أتيت من بيئة مختلفة ، حيث يعمل الفريق كله على تحقيق هدفٍ واحد ، أما في قسم المناقصات فالأمور تختلف .. 
فلا أحد يخبر أحدًا بأي شيء .. 
كل شخصٍ يحاول أن يستأثر لنفسه بأي نصر بسيط - إن وجد - و من أجل هذا  ، يفشلون في أشياء كثيرة ، الأنانية الشديدة و الكراهية المطلقة ، و هذا الجو المشحون بالسلبية لن يثمر إلا عن المزيد و المزيد من الفشل ، و المزيد و المزيد من الإخفاقات و الاختناقات و الصراعات الفردية الخفية .

الاختلاط بهم مؤلم .. 
و لا أفهم حتى الآن كيف استطاعت إدارة الشركة تجميع هذا العدد من الأشرار - و هذا وصف بسيط لطريقة تفكيرهم - في مكان واحد و في قسم هام كقسم المناقصات ..!!

أكتوبر .. 
أجازتي السنوية .. 
لم تكن الأشياء كلها جميلة ، و لكنني اشتريت عددًا لا بأس به من الكتب ، أنا أحب الكتب .. 
غلب إحساسي بالبرودة أية أحاسيس أخرى .
بقي جزءٌ دافئٌ وحيدٌ في أكتوبر .. 
و هو أنني استطعت أن أقضي مع صديقتي منى أربعة ساعات .. كنا نضحك و نتكلم  ، كانت أول مرة أقابل فيها منى ، منى بالمناسبة شخصية بشوشة و جميلة و مرحة ، و لن أنسى أنها كانت من أهم مزيلات الألم في بداية السنة ، و لولاها لما استطعت أن أتعدى فترة من أحرج فترات حياتي و أكثرها خشونة .
جزءٌ آخر .. متعلق بأكثر النساء رقة على الإطلاق .. لقد شربت القهوة المثلجة مع غادة خليفة !!
لقاء غادة خليفة الفنانة متعددة المواهب كان من أجمل أوقات حياتي ، غادة مليئة بالفرح ، أنثى وردية للغاية ، ابتسامتها جميلة ، شخصية دافئة ، تفكر بسرعة و تتحدث بترتيب و تلقائية ، غير أنها حنونة للغاية ، فكل ما تفعله تفعله بحنان و أمومة ، لم أرَ في حياتي من هي أكثر رقة و دفئًا من غادة .
سيبقى الأناناس الذي أكلناه في الشارع شيئاً مميزًا .. و ستبقى هي من أجمل اللاتي عرفتهن على الإطلاق .

نوفمبر .. 
لقد عاد قلبي إلى الاضطراب .. 
حلمٌ آخر في طريقة إلى التشكل .. شخصٌ ما بدأ ينثر ورودًا في طريقي ، مرة أخرى .. أحلام و أشياء جميلة لم أكن قادرةٌ على امتلاكها يومًا .. لا أعرف ..!!
أخاف أن أسرف في الحلم فلا يختلف عن كونه عابر ليس أكثر ، و أخاف ألا أبدأ في الحلم فأفقده .. !!
نوفمبر لونه رمادي ، و كأنه يقف على الحياة مثلي محايدًا ، فلا هو شتوي و لا خريفي و لا صيفي و لا يمت إلى الربيع بأية صلة ، لهذا أحبه ، أحب نوفمبر لأنه مثلي .. ربما أنه تائه و مشوش و فاقد للكثير من المظاهر ، لا تستطيع أن تحدد إن كان ممطرًا أو حاراً أو باردًا أو معتدلًا !!

و بالنظر إلى نوفمبر ، فأنا أحب مواليد برج العقرب .. لا أؤمن بالأبراج عادةً  ، لكن مواليد نوفمبر لهم معزة خاصة في داخلي ، فهم عادةً مهتمين بالثقافة و القراءة و الفن و مثيرين للاهتمام .. و عدد كبير من الذين أحبهم ينتمون إلى برج العقرب ، كابن اختي الصغير .. "أحمد" .
فكأن نوفمبر خلق ليولد فيه كل هؤلاء الدافئين الطيبين الذين أحبهم .. :)  .. (هذه إبتسامة لن يفهمها سوى قلائل ) .

ديسمبر .. 
اكتشفت في هذا الشهر الأخير .. 
أنني طفلة !!
أنا أحتاج إلى الاهتمام من المحيطين بي بصورة دائمة ، و أريد أن أصير دائمًا  في بقعة الضوء ، و أريد أن أصير الطفلة المدللة دائماً .. 
و أحتاج إلى الكثير من الجهد للحفاظ على مزاجي من التغيير .. و هذا يجعل الناس يكرهونني عادةً !!
في أحيانٍ كثيرة أشعر بأنني بغيضة ، و أنني أشجع الناس على كراهيتي أكثر  ..!!
قلائل يتفهمون طبيعتي تلك و يستطيعون التعامل معها بمرونة ، و يستطيعون احتواء مزاجاتي المختلفة دون جهد .. !!
و أخي "أحمد" أفضل من يقوم بذلك ، تليه صديقاتي سماء و سارة و منى  ...!
من أجمل الأخبار التي سمعتها هو أن الجميلة نهى محمود صاحبة الانتاجات الأدبية الرائعة و الجوائز الأدبية البراقة تمت خطبتها منذ ساعات قليلة إلى شخصٍ رائع ، مثلها تمامًا و نهى تستحق كميات كبيرة مركزة من السعادة و الحب ، أسأل الله أن يهب نهى المزيد و المزيد من الفرح .


إليه : 
و أحاول أيها الغريب .. 
أن أصنع لنفسي قلبًا ..
لم يرتد عن مفهوم الحب ..
لم يضِق بجراحه المزدحمة .. 
و لم يذبح فوق مقاصل الوعد ..
لم يفقد ذراعيه في المعارك .. 
فقط .. 
ليحتضن ابتسامتك .. !!





الجمعة، 23 ديسمبر 2011

حَديثُ ذاتْ .. 3





استرخاء .. استرخاء .. استرخاء . .
صرتُ أسمع هذه الكلمة بشكل يومي منذ شهر و زيادة .. 
كلهم يقولون :
" أنتِ تحتاجين للاسترخاء .. "
" حاولي أن تحصلي على استرخاء مكثف .. "
"أنتِ متعبة .. لماذا لا تفكرين في الاسترخاء قليلًا .. "
و قد كان .. 
حاولت أن أسترخي قليلًا ..
لكن كيف ؟؟
أنا أرى الجثث و الدماء و النعوش في أحلامي كل ليلة ، و أشعر بأنفاس ثقيلة لأجساد تموت ، أشم رائحة دماءٍ طازجة و دخان أجساد تحترق و أركض في شوارعٍ لا أعرفها ، و أهرب من رصاصات تكاد تخترق جسدي ، و أبكي مختبئة في أزقة ضيقة مظلمة ، و أناس لا أعرفهم يتساقطون حولي ، و أنا أناديهم  و أصرخ بأسمائهم كأنني أعرفهم .. " حسام .. محمد .. مصطفى .. " 
أفيق من نومي مجهدةً كل يوم ، و أشعر بصداع كل يوم ، و أذهب إلى عملي كأنني لم أنم ، و تتردد في رأسي مشاهد الكوابيس طوال ساعات النهار .
في محاولتي للاسترخاء ، لم أذهب إلى العمل منذ الأمس ، مكثتُ بالمنزل ، توقفتُ عن متابعة الأخبار و برامج الحوار ، و حاولت أن أمضي الوقت مع الموسيقى و أن أحاول استكمال رواية بدأت في قراءتها ، لكن عقلي لم يتوقف عن العمل ، فعلقت حسابي على تويتر ، و توقفت عن متابعة الصحفيين و الناشطين .. و لكن لا مفعول .. لا شيء .. فقط المزيد من القلق لأنني لا أعرف شيئًا !!


استيقظت اليوم بنفس الصداع ، و نفس الكوابيس و نفس الأفكار .. 
حاولت إخراج نفسي من هذه الدائرة .. فشربت القهوة ، تناولت الإفطار مع والدتي ، و جلسنا نتحدث قليلًا .. 
فتحت بريدي الإلكتروني لأرد على بعض الرسائل اتي أجلت الرد عليها ، أعرف أنني كسولة فيما يتعلق بالرد هلى الرسائل الإلكترونية ، و أشكر أصدقائي على احتمالهم لتأخيري في الرد على رسائلهم ، فأنا مزاجية سخيفة و طفولية حساسة يصعب علي كثيرًا دفع نفسي إلى الرد على الرسائل .. !!
وجدت في بريدي الإلكتروني إعلانًا عن عرضٍ أول لفيلم في الرابعة عصرًا من مساء اليوم ، و قررتُ أن أذهب فحجزت تذكرة ، أردتُ أن أذهب لأنني أرغب في أن تفرغ رأسي من صورة الموت المتكرر و رائحة الدماء و البارود ، أردت أن أنغمس في أي شيء مختلف ، و كنت قد اتفقت مع أصدقائي على أن نذهب معًا يوم السبت ، لكنني أردتُ أن أكون وحدي ، أحتاج إلى الجلوس في الظلام ، و احتجتُ أن أنغمس في في أحداثٍ ليست حقيقية و أناس ليسوا حقيقيين ، و موسيقى صاخبة ، أردتُ أن أنفعل و أن أندمج و أن يخطف أنفاسي حدثٌ مفاجيء ، أن أذوب تمامًا في عالم افتراضي .. 
اتصلت بي إحدى صديقاتي و سألتني : ماذا ستفعلين اليوم ؟؟
قلت لها : سأذهب لأشاهد فيلمًا .. 
فجاء صوتها ضاحكًا : أي فيلم ؟؟
فقلت : دون .. الجزء الثاني ..!!
فأجابت بسرعة : ستذهبين لرؤية فيلمٍ عنيف لأنك مللتِ أحداث العنف !! أي منطقٍ هذا !!
انتهت المكالمة سريعًا لأنني لا أريد أن أجيب عن نوع المنطق الذي أفكر به ، أنا غير منطقية عادةً ، أفكر بطريقة غريبة ، و أعرف ذلك ، و لا أحتاج إلى أن يخبرني بذلك أحد !!






ذهبتُ و شاهدت الفيلم ، و الحق يقال ، كان الفيلم رائعًا ، أحداثٌ جيدة ، سيناريو قوي ، مؤثرات صوتية و بصرية في غاية البراعة ، تمثيل و أداء جيدين للغاية ، كل الأشياء تبدو جميلة ، كان اختيار الألوان و زوايا التصوير شديد الحرفية و الجمال .
مشهدٌ واحدٌ فقط لم يعجبني .. لم يراعِ فيه المخرج اختلاف المقاييس الجسمية و البنية الهيكلية للوجه و الجسد لكل من البطل الرئيسي شاه رُخ خان و بديله النجم ريثيك روشان .. فالفرق واضح .. و هذا جعلني أشعر أن الفيلم يستحق أربعة نجومٍ فقط من خمسة نجوم  .
انتهى الفيلم في السادسة و النصف مساءً .. 
طوال فترة العرض ، و أنا أشاهد بعيني ألوانًا كثيرة ، بينما تدور برأسي ألوان الدم على قمصان الشهداء ، و أسمع كلمات كثيرة ، يسجلها عقلي سريعًا ، في محاولة للتغلب على صوت أم ثُكلى في خلفية صورة داخلية حزينة .. كان عذابًا من نوعٍ آخر !!
خرجت من العالم الافتراضي الملون إلى عالمي الأحادي اللون مرة أخرى .. 






مشيت بضعة خطواتٍ إلى مقهى يقدم لفائف القرفة و القهوة ، تناولت القهوة الثقيلة ، لكنني لم أشعر بمرارتها ككل مرة ، بالرغم من أنه نفس المقهى و نفس الكرسي الأحمر و نفس الطاولة البنية المستديرة و نفس النادل النحيل المبتسم دائماً ، ربما لأن المرارة بداخلي تفوقت على مرارة القهوة ، لم تفلح لفائف القرفة القليلة السكر في إضافة أي طعم إلى أي شيء .. !!
مشيتُ في خطواتٍ بطيئة نحو باب المجمع التجاري ، و حاولت أن أتذكر أين أوقفت سيارتي .. !!
مشيتُ بين الأرصفة بموقف السيارات و أنا أبحث حتى وجدتها .. 
عدتُ إلى المنزل .. لأستمع إلى الأخبار مرةً أخرى ، و فتحت حسابي على تويتر لأتابع الآخرين ، و تصفحتُ عدة مقالات في جرائد مختلفة ، و شاهدتُ عدة فيديوهات .. 
ثم جلست لأكتب .. و أحسبني انتهيت !!
تصبحون على خير .. أو على أي شيء جميل .. يستحق الحياة من أجله !!