السبت، 26 مارس 2011

عاصفة التراب و الدم

 
 
 
لا أريد أن أبدأ في الشكوى من العاصفة الترابية التي تهز أعمدة الإضاءة خارج النافذة ورائي ، و لكن حساسيتي للغبار تجعل تقبل مثل هذا الجو صعباً للغاية ، أضف إلى هذا أنني مصابة بالتهاب حلقٍ منعني النوم ليلة كاملة ، و صعوبة الحركة بقدمي التي أجريت فيها عمليتين إلى الآن و لازال الطريق طويلاً لمداعبة رمال الشواطيء المبللة ، أو لقراءة جريدة بمقهى أحب الجلوس فيه وحدي .

لن أبث اكتئابي عبر مدونتي ، و ليس لهذاالغرض أكتب ، لكنني لا أستطيع أن أفصل بين ما أشعر به حقًا و ما أرغب في كتابته ، كنت أود ان أكتب لكم عن أي شيء يدعو إلى الفرح ، و كنت أود أن أحدثكم عن قصة حب وهمية أخرى رائعة ، تجعل الناس تأمل في غدٍ أكثر جمالاً و إشراقاً ، و كنت أود أن أكتب عن زهور الحرية التي صارت تتفتح في نفوس المصريين ، أبناء أرضي الطيبة ، و لكن هناك مانع لا أستطيع أن أكسره ، و حاجز لا أقوى على القفز فوقه ، ألا و هو الحزن ..!!

في الصباح أقوم بهلع إلى محطات التلفاز ، لأحصي الفارق بين شهداء الأمس و اليوم ، و لا أفهم ، كيف يستطيع القتلة و القناصون أن يذهبوا بعد انتهاء مهامهم إلى منازلهم ، فيلتقون صغارهم و يتناولون وجباتهم الساخنة مع أفراد أسرتهم ، ثم يغازلون نساءهم دون أن يشعروا بطعم الدم و رائحته بحلوقهم ، و دون أن يروا أثره على ملابسهم ..!!

ما هذه العقلية التي تستطيع أن تقتل بهدوء ، ثم تغرق في الغرام بسهولة ، و كأن القتل لا يمثل سوى دورة جولف للمحترفين ، ألا تنتابه كوابيس ؟؟ ، ألا يحلم بصغار يبكون في خوف في خنادق مظلمة ككابوسي الأخير ، الذي صرت أبحث فيه عن أطفال لا أعرفهم و لا يعرفونني - بالرغم من انني لم أقتل احدًا - و لكنني أعرف أنهم مدفونون تحت الأرض ، و الناس يقولون أنهم موتى ، و لكنني أسمعهم يصرخون ، و ركضت مسافات طويلة حافية القدمين ، في أرضٍ غريبة مظلمة لا يسكنها سوى أناس بلا أذرع و بلا رؤوس لأنني أريد ان أحرر الصغار الذين تخرق صرخاتهم أذنيَّ .. !!

في كل مرة رأيت جثة محترقةً ، او ملفوفة و مرقمة في صندوق خشبي بال ، كنت أسأل نفسي إن كان هذا المسكين يعرف أنه لن يعيش ليرى الغد الذي أراد أن يحققه ، و إن كان يعرف أنه سيترك وراءه ربما صغار جائعين معوزين و خائفين من بطش الدنيا و الآخرين ، و إن كان يعرف أن أحلامه ستنتهي مدفونة بداخله مقتولة مثله تماماً بلا حول و لا قوة ..!!

و أتساءل إن كانت له حبيبة تجلس بعد صلاتها متكورة على الأرض  الآن و دموعها تملأ وشاحاتها ، و وسائدها ، و دفاترها ، في محاولة فاشلة لرثاء رجل تحول حبه إلى نكبة وجدانية من الذكرى و الغضب الشديد ..!!

كنت أرغب في أن أكتب شيئاً ملوناً لأرضي صديقتي التي قالت لي أن الأدب الذي أسرف في ترجمة مشاعره توقف تماماً بعدما حمل ذاك الأخير أسماله و أكذوباته في حقائبه المذنبة الفاخرة و غادر ، ربما تكون على حق ، فأنا عادةً لا يبلغ الإسراف في المشاعر مني حده إلا بعد أكذوبة قلبية شديدة البراعة ، و لكن هذا لم يمنعني من التحضير لرواية ستأخذ وقتاً طويلاً في الكتابة .

لا أستطيع أن أجلس وسط كل هذه الجثث ، و أبدأ في الكتابة عن الحب ، أو عن غضبي من باقات الورود سيئة الذوق ، و كأن أحداً لم يفقد أباه أو أمه ، أو صديقه الأقرب ، أو أن فتاةً جميلة لم تفقد حبيباً ، أو أن أمًا صغيرة لم تفقد زوجاً و لا أستطيع أن أشاهد أنهار الدم هذه تجري حول خارطة وطن كامل ، تدفع ثمن الحرية ، ثم أتناول قهوتي العربية ، و أكتب قصيدة غزلٍ في رجلٍ ليس موجودًا ..!!


الجمعة، 25 فبراير 2011

قراءة في سقف الكفاية

هذه الرواية قرأت عنها في كل مكان ، و التقيت معجبين كثر بها ، و لأن كل الناس كانت تتحدث بمبالغة عن كميات الألم المدفونة بين سطورها خفت أن أقرأها ، إلى أن ناولني أحدهم نسخته في تبرع محمود ، و قادني الفضول إلى قراءتها.

في البداية ، خفت أن تشكل كميات الألم التي سمعت عنها تلك دبابيس صغيرة ، تغرس نفسها في ذاكرتي القديمة ، و خفت أن تحيي بي أشياءً إعتقدتها ماتت ، و صدقت ذلك بكل ما أوتيت من إيمان ، فخفت ان أكفر بنفسي ، إذ أن كثيرين خبروني أنها أوقظت فيهم أشباحاً لمشاعر قديمة ، لعشاق قابلوهم في طريق ضللوا وجهتهم ، و أنا لا أختلف عن غيري أبدًا ، إذ أنني أيضًا قابلت من حول طريقي و مساري و ضللني و رميت أحياناً فوق جسر مقطوع النهايتين سقط في هاوية رمادية مظلمة .

الرواية تتحدث في بدايتها عن كاتب شاب ، يؤلف رواية و يحاول من خلال الكتابة الخروج من وعكته العاطفية المؤلمة التي ألمت به أدواء الدنيا ، و استمرت بداخله تصنع حربًا ضروسًا ما بين ذكرياته و نصائح أصدقائه ، حتى أنه غادر بلده إعتقادًا منه أنه بذلك يترك البلد الذي دفن فيه ماضيه ، و سافر إلى فانكوفر حيث البرد و الوحدة ليلتقي بديار العراقي و بالسيدة تينغل العجوز القعيدة ، و لكن السفر و الاغتراب لن يقوما سوى بتعذيبه زيادة ، فتتضاعف غربته و تتزايد آلامه بشكل موحش و مفجع ، و ما هربه إلا ليعود إلى موطنه في النهاية ، ليَصُفَ كلماته المدمعة في رواية .

أجمل ما في هذه الرواية صورها و كناياتها الأدبية ، و بدا الأسلوب الأدبي جيداً في العديد من الفقرات ربما لأن محمد حسن علوان شاعر في المقام الأول ، و هذا هو الشيء الوحيد الذي شجعني لإكمالها ، حيث أن خط الدراما بها ضعيفٌ للغاية ، و به الكثير من المشاهد التي أقحمت عمداً – أو هكذا شعرت أثناء قراءتها – ربما بغرض التطويل و الإسهاب الذي كان مملاً في أغلب الوقت أو ربما لإضفاء بعض الحميمية لقصة حبه الصاخبة الكثيرة الألوان و الغرائب .

بطل الرواية ضعيفٌ جدًا ، إلى درجة يصعب تصديقها من الضعف العاطفي إذا قيست على الذكور بفطرتهم الطبيعية التي جبلوا عليها ، فهو منغمس و غارق بالكامل في مشاعره و ذكرياته و لا يعرف كيف يخرج من ماضيه ، يعيش ماضيه فيصعب عليه حاضره ، و يمضي به الوقت و هو مسجون تماماً في عاطفته لا يخرج منها ، و ضايقني ذلك بشكل شخصي ، إذ أنني كنت أود أن أراه ينفض آثار المرض و الضعف عن جسده ، ليقف بقوة أمام نفسه فيتسامح مع تاريخه ، عل هذه الرواية تلهم أحدًا في موقف مشابه أو تخفف عن أحد معاناة ما يلقى من غدر الحبيب إذا علم أن الوقت سيمضي و أن الأمور تتحسن ، إذ أن البطل لم يحاول و لا مرة أن يواجه ذاته بضعفه ، و لم يحاول أن يغير من موقفه ، بل أن مشاعره التهمته بالكامل ، وخيل إلي أن أمله في أن تكتمل أو تستمر قصته قد تحول إلى وحشٍ أجهز عليه و حوله إلى "زومبي" ، و يميل إلى قدرية الحب ، لكن الاستسلام للألم ليس قدرًا ، و التوقف عن الحياة ليس قدرًا ، بل أننا نستعذب التنكيل بأنفسنا أحياناً لأننا نستسهل ذلك عن كي الجروح و المواجهة .

ديار عراقي للغاية ، و هو شخص محوري في الرواية لأنه صديق البطل في فانكوفر و كان من الممكن أن يشكل ديارٌ دوراً أكبر من كونه رمز عراقي فقط ، و قد أقحم مؤلف الرواية عدة حقائق تاريخية عن العراق بشكل صارم في صفحات ، حتى أنني ظننتني خرجت من خط الرواية إلى كتاب تاريخ مكتوب بطريقة لا أحبها ، خاصةً طريقة كتابة هذه الحقائق التاريخية لا تشبه الطريقة الأدبية الرومانسية جدًا التي صيغت بها عبارات الرواية .

بطلة الرواية عابثة جميلة ، تصف قلوب الرجال و تسير عليها بخيلاء و طفولة في امتزاج ، و قد برع في رسم شخصيتها بالكامل فهي مستقلة جريئة يراقب البطل علاقاتها الخفية بآخرين بالمراسلة و الهاتف و يتألم دون أن يسأل حتى لا يجرح ما بينهما ، ترضخ في تناقض للعادات و التقاليد فتتزوج برجل آخر ، و تنقلب قوتها إلى ضعف غريب ، في مجتمع شرقي مغلق نقل الحب إلى لائحة الخطايا و الفضائح دون ذنب ، و أجبر الحب على أن يسير متنكرًا أو هاربًا أو خائفًا لئلا يقتله أحد ، فصار الحب – نصاً حسب الرواية - منبوذًا قبل أن يُفهم ، مرفوضًا قبل أن يتكلم ، و منفيًا خارج حدود الوطن حتى قبل أن يفكر في التمرد .. !!

في النهاية ، الرواية يؤخذ عليها الإسهاب و التطويل و إقحام الكثير من الفقرات التي بدت مقحمة بالفعل في جسد الرواية ، و لا أنصح شخصاً مجروحاً أو مذبوحاً – بمعنى أدق - بسكين الحب حديثاً أن يقرأها ، لأنها ستزيده حزناً فوق حزن خاصةً و أن البطل يدور في دائرة ألمه بيأس ، و غالبية مواقف القصة هي مواقف عشاق عشناها كلها أو عشنا البعض منها ، تشبهنا جميعاً ، و شعرت أن الكاتب يلكزني بعصاه في بعض الفقرات ، أو يلكز قلبي تحديداً ، كما في قوله :

" أنا الذي ظننتُ أن لاشيء في الدنيا أقرب لك مني ، كما هو لاشيء في الدنيا أقرب لي منك ، اكتشفتُ أخيرًا ، أن الكلمات التي يقولها عاشقان في لحظة عناق ، و الوعود التي يقطعانها في غمرة بكاء ، لا يجب أن تؤخذَ بجدية ..!! "

المفاجأة أنني أيضاً ، ظننت مثله ، و اكتشفت نفس الاكتشاف ..!!

الأربعاء، 9 فبراير 2011

تعليقٌ على ما حدث ..



لست ُ من العالمين ببواطن الأمور أو مدعي الحكمة أو العلم السياسي ، كما صار يقفز كثيرون إلى منصاتهم الإلكترونية الافتراضية ليعلنوا أنهم علماء فقه في السياسة ، حتى صار الأمر أشبه بالدراما التي تملأ الفراغات في عقول السطحيين و غير المدركين .

نعم ، استطاع شبابنا المحبَط جداً أن يتحول منذ يوم 25 يناير إلى بطل إعلامي و سياسي ، بشكل يدعو للفخر ، و إنني مثلي كمثل كثيرين ، وقفوا وقفة احترام و إجلال لهؤلاء الذين كانوا أفضل و أكثر شجاعة من غيرهم ، الذين يطالبون بـ " عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية "

و نظرًا لحالة البطء المميت و التطنيش التي مارسها النظام القديم العجوز و ارتفاع كمية الدماء المسالة على أرض البلد ، قام الشعب الجسور برفع سقف مطالبه إلى ما هو أشجع .. إسقاط النظام بأكمله .. !

كنت أقول ، أننا لن نتغير ، و كنت أقول ، أن شعبنا هذا سيظل أسيرًا للقمة العيش و لخوفه من العسكر و أمناء الشرطة الذين يمدون أيديهم دونما خجل في جيبه ، و كنت أقول أن هناك شبابًا لن يستطيعوا أبدًا أن يحملوا سلاحًا ليتوجهوا إلى ساحات المعارك إن قدر الله لنا أن نخوض إحداها .

كنت أرانا سلبيين حد فقدان الحياة ، و كنت أرانا فقط "عايشين و السلام" ، و كنت أرى أعداد المحبطين تتزايد يوميًا ، مئات الآلاف يجربون حظوظهم في يناصيب الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، و أدراج مكاتب الهجرة إلى كندا و أستراليا تعج بالآلاف من الطلبات ، لقد صار الناس يبحثون عن وطنٍ آخر أو حياة بالقدر المعقول من الكرامة التي يجب أن تمنح للإنسان بصفته إنساناً بشكل مجرد ، دون واسطات أو توسيطات أو كروت عمل موقعة من علية القوم المفخمين و المعصومين ، ربما لأنهم ظنوا في لحظات إحباط و خيبة أمل أن هذه الأرض "لهم " ، لهؤلاء الآخرين ، أصحاب القصور و السرقات و النهوبات و الأرصدة المتضخمة.

ليلة الخامس و العشرين من يناير كنت لا أزال بالمستشفى ، و كنت أتابع بقلق تطورات أوضاعنا الجديدة ، و خفت أن تقتل السلبية هذه الثورة ، خفت أن لا يتحقق شيء ، خفت أن نفقد المزيد من الكرامة ، خفت ألا ننطق هذه المرة أيضًا ، خفتُ أن أتأكد من ضعفنا إن فشلنا بذلك ، و خفتُ أن يتمكن الخوف من قلوبنا فيقتل هذا الحلم الذي عاش الكثيرون ليشهدوا مولده .

عدت إلى منزلي ظهر الخامس و العشرين من يناير ، صرت أقلب قنوات الأخبار ، و أتابع تحديثات الصفحات التي تبنت شجاعة الثورة ، و استمرت حالي حتى كتابة هذه الكلمات بمثل ذاك ، كأمثال كل المصريين الذين حرموا من الوقوف بوسط المعتصمين ميدان الشجاعة ، رافعين بأيديهم أحلام شعب أكل آماله ظلم سرطاني موجع .

لقد تغيرت مصر ، كأن دماء الشهداء و الجرحى التي تشربتها أرصفتها و شوارعها امتصت إلى قلب أرض الوطن ، فبثت فيه الحياة و بعثت الشجاعة و الجسارة في نفوس من يطأون فوقها من شرقها إلى غربها و من شمالها إلى جنوبها ، و هاجمت السلبية فأردتها قتيلة ذابت و تبخرت من داخلهم ، و فكت تميمة السحر الأسود التي حولتهم من مغاوير قدامى إلى خائفين مرتعشين من العصا و البندقية .

كأن رائحة دماءهم انتشرت في الهواء فصنعت رائحة الحرية ، فصار الهواء عاملاً آخر يدخل إلى أجساد المصريين و أوردتهم ليمحو ما ترسب من ألم و ذل طوال عقود طويلة ، ليصيروا أحراراً ، فيقفون في البرد و يتحملون المطر و الغبار و الجمال أيضاً من أجل إزالة المرارة من قاع هذا الوطن .

يا شباب هذا البلد ..

إن أي مزايد على وطنيتكم فاسد ، و أي مساوم على شرفكم لا شرف له ، و كل من يتهمكم بالعمالة مزعزع فاقد الثقة ، و كل سلبي اعذروه .. فالنفس تتوق للصورة الأقرب من الاستقرار الذي ظنته استقرارًا في ظل الكثير و الكثير من الظلم و الذل لأن هذا ما ألفته ، وكل هؤلاء سيتغيرون ، عندما تشرق شموسكم أكثر ، و عندما تسمع أصواتكم في جنبات الغد الصادح ببطولة هذا الشعب .

و لا تسمحوا لأحد بأن يحقق أحلامه الفردية عبر دماء شهدائنا ، و لا تسمحوا للمتسلقين بأن يجدوا أدوارًا للبطولة دون استحقاق .. فقط .. لا تسمحوا بذلك .

يا شهداءنا ..

دماءكم النبيلة هي التي صنعت منا شجعاناً و أبطال و مطالبين بحق قديم كنت حسبتنا نسيناه ، رحمكم الله يا من نلتم شرف الشهادة .

إن مصر الآن تحتضن في أرضها أجساد ثلاثمئة شهيد أو يزيد ، و أحسب أنه من العار أن نتخلى عن دمائهم ..!!

أكرموا الشهداء .. لا تنسوا قضيتهم .. و ارفعوا أيديكم بالدعاء من أجل مصر الحبيبة.


الخميس، 20 يناير 2011

في المستشفى .. 1

 
لا مكان في هذا العالم يمكن الكتابة فيه عن الألم مثل المستشفى ..!!

في هذا المكان لا قيمة لأي شيء ، سوى لرحمة الله و لقدره الشافي و لدعاء الذين يحبوننا ، حين يرفعون أيديهم إلى السماء من أجلنا .

ناس لا يعرفونك و لا تعرفهم ، ينظرون إلى وجهك بابتسامة مهذبة ثم يقولون : "عسى الله أن يشفيك شفاءً لا يغادر سقماً " أو يقولون : " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك "

باقات ورد من أحبائنا ، علب الشيكولاتة الداكنة من أصحابي الذين يعرفون عني كل شيء ، علب الشيكولاتة الملونة من زملاء العمل الطيبين ، مكالمات لا تنقطع ، هواتف جوالة لا تكف عن الرنين لتوصل صوت القلق المحب في صدورهم ، زيارات مفاجئة غير متوقعة تبدأ بوجوه أحبها تبتسم في أمل من مدخل ستائر الغرفة الزهرية ، و دعوات صادقة و صلاوات خاشعة في قلوب كثيرين .

جاوزت في المجمل و عشرين يوماً ممنوعة من الحركة على فراش أبيض ، اتضحت لي خلالها كمية من الحقائق التي أدهشتني لجمالها و لقبحها أحياناً ، ذراعاي مليئان بآثار إبر الكانيولا ، و وجهي مصفر ، و أشعر بالتعب .

منذ عشرين يوماً ، و أنا أتناول وجبات صحية سليمة عديمة الطعم ، مبتعدة عن فناجين القهوة المزركشة و جلسات الحديث الضاحك مع مجموعتي الرائعة في مقهاي المفضل .

عشرون يوماً لم يرتفع ضغط دمي فيها و لا مرة ، فلا مدير غاضب و لا رئيس ناقم ، و لا أحاديث هاتفية تجعلني أفقد صوابي و أعصابي ، و لا تقارير مالية أو جداول زمنية ، و لا متابعات لميزانية العام و لا أي شيء من تلك الأشياء التي تجعلني أتحول إلى كرة نار قابلة للانفجار بوجه أي شخص يسيء فهمها أو التعامل معها .

انضم طبيب العظام خاصتي و طبيبة التخدير إلى أصدقائي ، و أرحب بهما جداً إلى هذه المساحة الشخصية جداً التي أسميها حياتي ، و لو لم تكن هناك ميزة لوضعي هذا إلا تلك لكفته تماماً .. تماماً .

تغيرت فعليًا تغيراً لم أعرف أنني سأصير إليه ، و واجهت كذب أشياء كنت أؤمن بصدقها حد العقيدة ، و تقبلت حقائق لم يمر بأسوأ أحلامي احتمال وجودها أو تصديقها المجرد .

هذه هي المرة الأولى التي تمطر فيها السماء و أكون غير قادرة على مد يدي من النافذة أو الشرفة لأصافح المطر فيها بشكل شخصي .. !

انقطعت عن الكتابة لفترة لأنني كنت لا أستطيع أن أركز فيما أكتب و لا أستطيع أن أستجمع الكلمات في ذهني من فرط الألم أحياناً و من فرط الدوار أحياناً أخرى ، و لكنني أعود اليوم ، لأكتب ، بعدما صار الألم أقل ، و بعدما صرت لائقة أكثر لأفكر .. ربما !!

فقط أسألكم الدعاء ، حتى أستطيع أن أسير مرة أخرى على قدمي المكسورة المسكينة التي قاموا بحشوها بعدة مسامير و شريحة في عملية جراحية عاجلة لازال جسمي الحساس يعاني مضاعفاتها و آثارها الجانبية الموجعة .

أسأل الله أن يعافيكم من كل ما ابتلاني به ، و أسأل الله أن يشفي كل المرضى الذين يمرون بخناجر الألم المتواصل ، إنه قريب سميع مجيب الدعاء .

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

المنفلوطي و اللغة و الكتابة

أعرف أنكم غير معتادين على أن اكتب شيئاً مختلفًا عن ما عهدتموه هنا ، أنا مشاعري بإجازة حاليًا ، و لا أستطيع أن أثيرها بذكرى أو رسالة أو أي شيء ، فقط أحتاج إلى ان أكتب شيئاً مختلفاً بشكل مؤقت حتى أعود إلى حالتي الطبيعية ، كأنني أمر بفترة برود مثلاً ، أو توقف .

أعرف شخصًا ، كان يقول عن نفسه أنه شاعر ، و الرجل عرف نفسه بذلك ، و كان هناك آخرون يصفقون له بشدة ، و في مرة ، قابلني هذا الرجل ، و أعطاني نسخة من بضعة أشعار كتبها ، لأقرأها ، الشيء الغريب في هذا الأمر ، أني وجدت الرجل فقير في اللغة حد الفاقة ..!!

غير أنه لا يحسن اختيار ما تحتويه أبياته ، فشعره خال من الزينة ، ممرض للعقل ، و ممل حد السأم للقلب ، يشبه كلامًا عاديًا ، لا يشبه أي شيء آخر ، سوى أنه كلام من خواطر بسيطة ، قد يكتبها شخص في ساعة العصر و هو جالس بشرفة منزلهم دون أن يخطر بباله أن أحدًا سيقرأ هذا الكلام .!!

ما راعني فعلاً ، هو أن هذا الرجل الذي طلب نقدًا لما يكتب ، لم يحتمل النصيحة ، بل قال أنه شاعر غصب عني ، و أنني أنا التي لا تفهم بالشعر ، صبرت على الرجل الذي يقترب عمره من عمر والدي ، و قلت له يا سيدي ألا تقرأ ؟؟

فاعترض الرجل على سوء أدبي و قال : إنه يرفض القراءة لأنه لا يريد أن يتأثر بأحد ..!!

قلت له : إن الذي لا يقرأ و يحاول الكتابة دون قراءة هو شخص يبني برجًا عالياً بلا أساس متين فوق سحابة ..!!

المهم أن في نهاية الحديث ، غضب مني هذا الرجل الفاضل و وصفني بأنني ثرثارة و لا أفهم في الشعر ..!!

و حضرني حينها مقال كتبه المنفلوطي في كتابه النظرات و العبرات يتحدث فيه عن شخص دخل السجن لأنه ضرب شاعرًا أوقفه في الطريق ليلقي عليه قصيدة طويلة فأجابه الرجل بعد سماعه القصيدة بأن شعره قبيح ، و أقبح منه طوله ، و أقبح من هذا و ذاك صوته الخشن الأجش ، و أقبح من الثلاثة أن الشاعر اعتقد أن هذا الشخص من فساد الذوق و سخافة الرأي حتى يعجبه هذا الشعر البارد ، فضربه الشاعر بقبضةِ يده في صدره ، فإذا بالرجل يرفع عصاه ليضرب الشاعر على رأسه حتى يفسد في مخه مركز الشعر ..!!

يقول المنفلوطي في مقدمة كتابه النظرات ، أنه يعترض على أن يعرف الذين يكتبون كل قواعد اللغة ، و إن قواعد اللغة يجب أن يعرفها الذين يمتهنون التصحيح ، و أنا أختلف في ذلك معه اختلافًا طفيفًا، إن قواعد اللغة تجعل الكلام أكثر جمالاً و بلاغة ، و تحمل عليه من الرقي ما يزينه ، و الإنسان الضعيف في لغته لا يكون قادراً على التعبير بها بشكل صحيح .

لا أقصد الاحتراف في الكتابة بقدر المحافظة على اللغة و طبيعتها و جمالها ، خاصةً أننا في زمن كثر فيه الحكي الفارغ الذي انتزعت قيمته لقلة مستواه و لكذب مشاعره ، و لسوء خيال كاتبه ، فصارت الكتابة مهنة من لا يجد شيئاً يفعله .

و لا أقصد أيضًا أن يصير الإنسان عالماً ببواطن اللغة و ظواهرها ، و لكنني أقصد أن يكون لديه من اليسير ما يجب أن يعرفه من تعلم العربية ، أعني ألا يواجه مشاكل إملائية في الكتابة مثلاً كالتي يواجهها طفل في الصف الثاني الابتدائي ، و عادةً فإن الذي يقرأ قادرٌ على الكتابةِ بشكل صحيح عادةً إلا من أخطاء بسيطة ، لأن عينه تعودت شكل الكلمات الصحيحة ، فتكون الأخطاء ناتجة عن سهو للقواعد التي درسها منذ زمن و نسيها بفعل الوقت ليس أكثر ، أو عن سرعة أفكار تتدفق من ذهنه إلى الورق مباشرةً .

هذا .. و دمتم بخير .. !!

السبت، 27 نوفمبر 2010

طقوس : طقس المرارة

Art Prints

أنا أخطأت ...!!


نعم انا مخطئة حتى الذنب في حقي ..!!

عندما انتهت من الحديث وضعت رأسي بين يدي .. و قلت لها ان هذا ليس معقولاً ..!!

بدأت في الارتجاف رغماً عني ، أعراض عاصفة الثلج الداخلية التي تقصفني وقت الصدمة بدأت ، عيناي متحجرتان بلا أي دمع أو ملامح ، وجهي أصفر ، لا شيء يعلوني سوى علامة استغراب و مفاجأة لا توجد لغة في العالم اخترعت بعد لوصفها ..!!

في طريقي إلى مكاني ، شاهدت الناس ينظرون إلي و كأنهم يرون هذه السحابة الترابية التي تغلف روحي السقيمة ، و يرون تجويفًا فارغًا بمنتصف صدري ..!!

في منتصف اليوم .. اقترحت على صديقتي أن نذهب لتناول المثلجات الإيطالية ، طوال الطريق و أنا أسمع بومة في رأسي تنعق و تنعق و تنعق ، و لا تريد أن تتوقف ، و أرى صوراً مظللة لكائنات غير موجودة ، بينما الأرصفة و الشوارع و إشارات المرور و النخلات و الشجيرات و سرب الطيور الملون .. يخبرونني انك كذاب ، في نغمة واحدة ..!

بدأت في غمس ملعقتي الشفافة بكوب المثلجات و شعرت بدموع تنساب من عيني إلى دمي ، لا يراها أحد ، و صديقتي الصامتة تلعب ببضعة مكعبات على الطاولة المستديرة ، حين وضعت الملعقة بفمي .. شعرت بالمرارة ..!!

كل النكهات مرة ، الليمون و الفانيليا و البندق و كل شيء ، فخبرني كيف تحول طعم شفتيك الذي تحتفظ به حلمات التذوق بلساني إلى هذا الطعم المقيت .. مر .. و لاذع ..!!

لم أشعر بالوقت يمضي ، و لم أشعر بأي شيء يختلف عن إحساسي بأنني أسير على خيط من الهواء في الهواء في مكان قريب من حافة الشمس حيث تغلي دمائي بشكل محموم ، و شعرت بفورانها في منتصف رأسي ، أمسكت صديقتي ذراعي و قالت لي " هيا نذهب" ، و حين عدنا كان يجب علي ان احتفظ بما يعرفه الآخرون عني ..!!

فلا يجب أن تظهر آثار تلك الصدمة التي تلقيتها في الصباح على أي جزء يراه الآخرون في ، يجب ان تظل عيناي لامعتان بهدوء ، و شفتاي تبتسمان ، و ضحكتي تملأ المكان كله مع الذين أعرفهم و يعرفونني ، و أن أسير برأس مرفوع ، كامرأة قادت جيش إلى النصر ، و أن أمشي كأية أنثى كثيرة الاعتداد بنفسها .. كل هذه الأشياء ملائمة لأستر غبائي الشديد .. و جروحي الجديدة ..!!

أريدك الآن أن تنظر بدقة إلى ما فعله مشرطك الملوث بي ، أنظر بدقة ، و افتح عينيك المثيرتين جيداً ، و انظر إلى تلك القتيلة اللينة الجسد ، التي منحتك من نفسها و من روحها كل العذوبة إلى آخر قطرة ألم اعتصرت أوردتها في غلاظة !!

لا أعرف ماذا أقول لك ..!!

لكنني غاضبةٌ منك ، لأنك أكثر حماقةً مني .. يااااه .. ما أغباك !!

حين تستبدل الذهب بالحديد ، و حين تترك النبع الذي يتدفق بين ذراعيك في قوة و جنون و رغبة ، لتذهب إلى مستنقع أسود مليء بالهوائم ، و حين تستبدل فراشك الوثير ب لوح خشب ينهشه الدود ، و حين أشعر فعلياً ان ست النساء خاصتك التي تذوب بك ولعاً و ولهاً .. تم استبدالها بهذه .. !!

نعم .. هذه !!

ملحوظة :

هذه المرة .. لن تستطيع ان تغير شيئاً ..!!



الاثنين، 8 نوفمبر 2010

عن لعنات القلوب و ما شابه



سمعته يقول:

" عرفت رجلاً ، كان يعرف النساء ثم يكسر قلوبهن ، و كان يولع الصبايا ثم يغادرهن ، و استمر على تلك الحال لفترة طويلة جدًا ، كان غنياً فافتقر ، و كان صحيحاً فاعتل ، و فقد كل مميزاته و صفاته الجذابة ، و صار غلالة من كثرة الوجع و المرض ، و كنت أسمع عنه الكثير من الحكايات ، إلى أن قابلت رجلاً حكيماً كبير العمر طاعن في السن ، و سألته كيف أن حاله تدهورت و أن حياته أظلمت ، و أنه ماعاد هو ، فذهبت صحته و ثروته ، و منزله الفخم ، و أسرته و أعماله ، فقال لي : إن لقلوب الصبايا و النساء الصادقات لعنة ، تحل على أمثاله ، فتجعل الذهب في أيديهم فحماً رخيصاً و تراباً كالذي يملأ الأرض و تتبعه اللعنة إلى قبره فلا يهنأ بأي شيء في حياته ، و يعيش كما رأيت "

كنت جالسة إلى الطرف الآخر من الطاولة ، و قد لفت انتباهي ما سمعت ، و لم أسأله ، و لكن .. هل فعلاً لقلوب الأنثيات الصادقات لعنة بهذا الشكل ؟ تلقيها على النصاب دون قصد فيستحيل إلى مثل هذا الرجل الذي يحكي عنه صديقي ؟؟

في وسط كل الحروف المتناثرة من أفواههم ،غاب عقلي بعيداً ، بينما اندمج الجالسون في مثل هذا الحكي و في مثل تلك الحوادث، و شردت فعلاً فيما يقول ، هل من الممكن أن تكون هناك لعنة على أحد من قلب أحد ؟؟

أعرف أنه في حالات الهجران و الفراق ، فإننا نرغب في أن تنشق الأرض لتبتلع سعادتهم ، و أن تنزل مشانق سماوية لتشنق أحلامهم لأنها ليست أغلى مما فقدنا من أحلام ، و لتحترق بهم كراسيهم و أرائكهم و ثيابهم أيضاً ، و نحزن و نتمزق و كل هذه الأشياء ، و لكن ، هل كل ما نحدث به أنفسنا حينها يتحول إلى لعنة ؟؟

هل هناك قوة تحول هذا الكلام و تلك الأمنيات السيئة جداً إلى لعنات ؟؟

ثم سمعتُ شخصًا آخر يقول :

" يقولون أن تحت بلدتنا متحف من الصخر و الحجارة ، و أنه في قديم الزمان كان هناك نحات ، إن أعجبته المرأة ظل يراقبها أياماً ، و كان يختار نساءه من السوق و من جانب بحيرة عذبة مقدسة بجوار محرابٍ قديم كن النساء يغتسلن فيها ،كان يتبع هدفه أينما ذهبت ، كان يتربص لها ، و يمشي وراءها أياماً ، يغني بصوت خافتٍ و ينشد الشعر ، و إن التفتت إليه ، قال أنها جميلة ، و أنه سينحت لها تمثالاً من فرط ما رأى من جمال و أنوثة ، ثم يبدأ في نحت التمثال ، و يدعوها إلى منزله ، فتشغف بجمال التمثال و دقته ، و بحلاوة كلام النحات و رقته ، و كان له طلعة جذابة وسيمة ، قوي البدن و البنية ، حسن الصوت و النغمة .

حتى إن شغفها حباُ و تمكن منها ، تركها هاجراً بلا عودة ، و كن النساء بعد ذلك يترهبن في خدمة المحراب ، إلى أن غضبت إحدى صاحبات الثراء منه ، فأرسلت إليه ساحرة ، حولته إلى تمثال بمنتصف تماثيل ضحاياه ، و انتهى ذكره و أثره"

سألته : " و هل وجدتم المتحف ؟ " قال : " إن البحث عنه جارٍ إلى الآن ، و الحكايات كثيرة ، لكن أحداً لم يجد أي شيء"

شعرت أن تلك الآثار التي يتداولها الناس ليست سوى حكايا للوعظ ، حتى يتوقف اللاعبون عما يفعلون و يتوقف العابثون عن العبث ، و ربما أنها صيغت لحماية الفتيات أيضاً ، حتى لا يتلفتن للذين يقومون بمغازلتهن ، و لكن العبرة الأولى أثارت في نفسي شيئاً من القلق و الشك ، خاصةً و أن هناك من يستحقون اللعن فعلاً ، و الطرد من رحمة دواب الأرض من ظلم ما فعلوا .

لا أعرف إن كنت قد ألقيت بضعة لعنات على أحدهم دون أن أعرف ذلك ، و لا أعرف إن كانت مضرة فعلاً إن تجمعت مع لعنات قلوب غاضبة أخرى و صارت لعنة بعرض الفراغ بين السماء و الأرض على شخص واحد !!

أو لربما يلتقي ساحرة فيما بعد ، تحوله إلى فأر و تهديه في علبة مخططة إلى قط سخيف ماكر يكره الفئران و يحب اللعب بها ..!!

ليس بمقدوري الآن ان أحزن بشأن أحد ، و لكن بعض الأشياء تستحق أن نتوقف عندها حتى و لو كانت خرافة كخرافات العرافات و السحر و ما إلى ذلك .
بعد انتهاء ذاك الحديث قمت إلى مكتبي بعد أن ناداني أحد الذين أعمل معهم ، ثم عدت فلم أجد ممحاتي الملونة ، و قلم الرصاص الذي عليه رسمات قوس قزح .. !!