الجمعة، 30 أغسطس 2013

حَديثُ ذاتْ.. 20



أخبرتني «داليا» منذ  خمسة أسابيع أن هدية عيد مولدي في البريد، وبذلك منحتني شيئًا أنتظره، لقد كنتُ أسأل حارس البناية التي أسكن فيها كل يومً عن البريد وكلما تحادثنا فكرتُ في الهدية واستحيت أن أسألها، وفي يومٍ اتصلت بي أمي صباحًا وأنا في العمل لتخبرني أن ساعي بريد دق الباب وأعطاها مظروفًا أبيض، فابتسمت وأنا أعرف أن «داليا» ستملأ المظروف ببعض الفرح من أجلي، وعندما عدتُ إلى البيت، جلست على ركبتي أمام طاولة القهوة لأفتح المظروف الأبيض، فوجدتُ فيه ديواناً مسموعًا، وصورة مقسمة كان مطلوب مني أن أقوم بتجميعها، وزهرة وردية من الكروشيه أستعملها كزينة للشعر، ويومها سجدتُ لله شكرًا على البهجة التي أرسلتها إلي «داليا»، وسقطت دمعتان من عيني على سجادة الصلاة وأنا أبتسم، اللهم لك الحمد على الحب الذي تمنحني إياه من قلبها، ومن قلب الذين يحبونني.. اللهم لك الحمد.. (ابتسامة من القلب.. ♥) 




 منذ يومين، أرسلت لي إحدى صديقاتي نسخة إليكترونية من دليل سياحي لـ«روما» وموقع فيه رحلات جماعية سياحية إلى إيطاليا، وأخبرتني أنه ليس هناك وقت أنسب من الذهاب إلى إيطاليا من هذا العام بعد الانكسارات والأوجاع والمرض والأطباء خاصةً وأنه بقي شهران فقط على موعد إجازتي السنوية التي لا أعرف حتى الآن كيف سأقضيها، أردتُ أن أسافر إلى مصر لكن قلبي لا يرغب في ذلك على الأقل حاليًا، لأنني اختنقت فيها وكنت أسير في الشوارع أبحث عن الهواء في شهر مارس ولا أجده، كأنه يرفض الدخول إلى رئتيّ، لقد كان الوقت الذي قضيته في وطني مؤلمًا ذلك العام، فصرت لا أملك إلا الاشتياق إليه بينما تقوم أرضه بطردي وإبعادي قسرًا.. ولا حيلة لي في ذلك.
الشيء الذي لاحظته هو أن أسعار الرحلات إلى إيطاليا مرتفعة بالنسبة لفتاة مثلي أكلت العلاجات والأدوية قدرًا كبيرًا من مدخراتها، ولكن الأمر ليس مستحيلاً ، لأنني ربما أستطيع توفير المبلغ في منتصف العام المقبل إن استمرت الأمور على ما هي عليه، وإن ظللت كما أنا دون انتكاسات أو متاعب.


اقترح علي أحد العارفين ببواطن الأمور أن أقوم بتربية هرة صغيرة أو جرو لأنشغل بها، وأقضي وقتًا طويلاً في العناية بها وتدريبها واللعب معها وتغذيتها، وقال لي أن ذلك سيفرغ قدرًا من مشاعر الألم التي بداخلي، لأن هذه الكائنات ستنتظرني وستنام عند قدمي وستحب المكوث بين ذراعي وستمنحني حبًا.. الكثير من الحب على حد قوله، وسأعتاد عليها سريعًا ثم عرض عليّ أن يهديني إحدى الهريرات التي ولدت حديثًا في بيت جيرانه، لكنني لا أملك من الطاقة ما يجعلني قادرة على العناية بأحد، لأنني بالكاد أعتني بنفسي وأقوم بواجباتي الحياتية المرهقة، أنا منهكة للغاية وفقيرة الطاقة ولا أستطيع أن أتحمل مسؤولية أي حي آخر، وأقاتل طوال اليوم في معترك الحياة الصاخب لأعود شبه زاحفة إلى فراشي كل ليلة، أنا بالفعل لا أستطيع.
منذ ثمانية شهور، كان الذين يعملون معي يشتكون من فرط طاقتي ومن قدرتي على البقاء متيقظة لفترات طويلة بينما يتعبون ويحتاجون إلى النوم، أما هذه الأيام فإنني أبذل من الجهد الكثير لأدفع نفسي للقيام بأشياء عادية، كنت أفعلها دون أن أنتبه إلى صعوبتها في الأصل.




لازالت مشكلة فقدان الشغف هي الشيء الأكبر الذي نحاول معالجته الآن، فقدت شغفي بكل شيء وممارسة الكتابة الآن هي طريقة للتعافي، لكن شعوري بالفشل يستدعي أحداثًا قديمة ترسخت في ذاكرتي وهذا يجعلي أشعر بالحزن بشكل مفرط، كأن ذكريات السوء الماضية وجدت فيّ ضعفًا فتكالبت حول روحي المشققة، ولأتغلب على هذه المشاعر يقترح الطبيب أن أقوم بعمل خطة لخمسة سنوات قادمة في حياتي لخمسة أهداف على الأقل ربما أجد شغفي المفقود بالحياة والأشياء الأخرى، لكنني لا أعرف ماذا أكتب في هذه الخطة، ولا أعرف ماذا أريد أن أفعل، كأن كل شيء انمحى  من داخلي، وحل مكانه لونًا رماديًا بلا ملامح.. ولكنني سأحاول.. سأحاول.

على الهامش:
أشكر الذين يرسلون إلي رسائل الدعم الإليكترونية، لقد وصلتني رسائل كثيرة في الفترة الماضية، أشكركم لأنكم تعوضون جزءًا جيدًا من طاقتي المفقودة، وتساعدونني برسائلكم هذه على تقليل المسافة الزمنية للمرحلة التي أعيشها الآن.. فشكرًا لكم.. الأمس واليوم ودائمًا.
شيمـــاء.



الجمعة، 23 أغسطس 2013

أَسْـرارُ اللَّيْـلةُ الماضِيَة.. (الأخيرة)



أجلت الكتابة إليك في هذه السلسلة مراراً لأنني كنت مشغولة بالعلاج والشفاء والتعافي الذي سيستمر وقتًا أطول، لكنني الآن بخير إلى درجة تمكنني من مزاولة حياتي بشكل طبيعي حتى وإن لم يكن تامًا، لكن الأمور أسهل الآن عن ما كانت عليه منذ ستة شهور مثلاً.
منذ أخذ مني الطبيب الصندوق بدأت مرحلة جديدة في العلاج، صار الطبيب يستعمل طرقًا مختلفة، ومنها العلاج بالتنويم الإيحائي الذي كلفني الكثير أيضًا من الطاقة والوقت والمال، تم فيه فك الارتباط العاطفي لي بعدة أشياء وأماكن وتواريخ تخصك.

واستعدت الصندوق منذ شهرٍ تقريبًا بعد عدد من الجلسات العلاجية، وعندما خرجت من العيادة أخذت منه زجاجة عطري الثمين وقلم الذاكرة ثم ألقيت محتوياته في سلة مهملات كبيرة على ناصية الطريق، لأنه لا حاجة لي بذكريات منك، أنا لا أريدها ولا أحتاجها في شيء، لقد دفعت واقترضت فوق ما أملك للتخلص منها، ففيم الاحتفاظ بأشياء لا قيمة لها، وسأستطيع أن أحتفظ باكسسوارات الشعر ودبابيس الزينة ومستحضرات البشرة في نفس الصندوق.. فالصندوق أهم من الذكريات الآن.

عندما عدتُ إلى المنزل فتحت قلم الذاكرة لأقرأ رسالتك الأخيرة، قرأتها مراراً لكن رأيي في محتوياتها لم يتغير، صفحة ونصف من العبث المحض الخالص، كلمات متراصة فقط، تشبه وصية ميت.. مع اقتباس لجان جاك روسو، كنوع من الفلسفة المقيتة.
المؤسف في هذه السلسلة، أنني أكتب الآن لأن الذين يقرأون طلبوا أن يعرفوا ما حدث فيها، ولا أكتب لأنني أريد الكتابة هذه المرة، وإنما أكتب لأغلق هذه السلسلة لأعود إلى تحليل الكتب وأحاديث الذات والخواطر القصيرة.

ألم أتخيل يومًا أنني سأكتب لك إلا لأغازلك، لم أتخيل أنني سأكتب لك إلا بالحب والرغبة وحرائق الشوق التي كانت تشتعل في صدري، أما الآن وقد انطفأت كل الحرائق ولم يتبق سوى الكثير من الرماد؛ فلا أجد خيارًا لغلق هذه القصة إلا الكتابة مثلما بدأت تماماً، ويعلم الله أن كتابة هذه السطور الآن ثقيلة على صدري كالهم، ليس من فرط الحب الذي كان يسكنه، ولكن من فرط الندم على قبولك منذ البداية بداخله لأنك لم تكن أهلاً لذلك.

قيل لي أني يجب أن أتعلم شيئًا من هذه القصة، لأن كل هذه التجارب تكون فيها حكمة مخفية يجب على الإنسان أن يتعلم منها وأن يحفظ الدرس ليفهم حياته ونفسه بشكل أفضل، لكنني أعرف أنني ما كنت أحتاج إلى درس إضافي من هذا النوع، لم أكن أحتاج إلى وجع وألم وعلاج وظلم ثم تعطيل بلا داعي، لم أكن أحتاج إلى ضربة في منتصف صدري، لم أكن أحتاج إلى كل ذلك، أقسم بالله أنني كنت في غنى عن الأمر كله، ولو أنني أعرف نهايته ما كنت بدأته.

انتبهت الآن إلى الخطأ الذي ارتكتبه، لقد خالفت مبدأ من مبادئ حياتي معك، وهو أنني منحتك ثلاثة فرص، مع أنني لم أمنح احد فرصة ثانية في حياتي إلا مرة واحدة وكانت معك المرة الأولى التي أمنح فيها ثلاثة فرص لاستمرار علاقة كان يجب أن أعرف أنها ستفشل منذ البداية لكنني عميت بك وبنفسي عن الواقع.. وهذا خطأ يخصني وحدي لا ذنب لك فيه.

أود ان أخبرك بشيء هام، هو أنه لا حق لك في الغضب من المجتمع الذي لولاك ولولا من هم مثلك لما صار أمثالي يعانون فيه، لأننا لن ننجو بصدقنا مع أكاذيبكم، ولن ننجو بطهارتنا مع لؤمكم، ولن ننجو ببراءتنا مع خداعكم ولن ننجو بإخلاصنا مع غدركم، ولن ننجو بإنسانيتنا منكم، أنت وكل من هم على شاكلتك على اختلاف أنواعكم تملأون من هم مثلي خيبة وألمًا ويأسًا، وتملأون الدنيا.. وهنا قلب المأساة..!

أنا لست نادمة لأنني أحببتك، فالحب خلق وكرم ودليل على صحة النفس ونقائها وأنا لست غاضبة منك ولست نادمة على صلواتي التي أرسلتها إلى السماء في أكثر من مئة ليلة أطلب من الله أن يعيدك إلي وأسأله أن يغفر لي أي ذنب منعك به عني، لكنني نادمة على قبولي لك ونادمة على كل جهد بذلته من أجل إنجاح علاقة فاشلة كعلاقتنا تلك، ونادمة على كل الوقت الذي ضيعته في الحفاظ على مزاجك وتحمل أطوارك المختلفة المتقلبة التي أرهقتني كثيرًا دون شكوى، لكنني لم أندم على إخلاصي الشديد في كل ما فعلت لأن هذا جزء من كوني «أنا»..!

لم أتخيل أنني سأضعك في ميزان الخسارة أبدًا، لكن هذا ما يحدث الآن وهذا هو الواقع، لقد مررت بحياتي لتضعني في فوضى وألم ووجع وأغرقني حبك الكاذب كطوفان جرف كل شيء وتركني فقيرة وضعيفة ومنهكة ومريضة وكان من الأفضل ألا أعرفك أبدًا.
وهنا سينتهي الأمر كله عندي، وسنغلق هذه السلسلة أيضًا،.. ولأنك تحب جان جاك روسو.. أذكرك بهذه المقولة.. 
"حين أرى الظلم في هذا العالم أسلي نفسي دوما بالتفكير في أن هناك جهنم تنتظر هولاء الظالمين"
وأنا أفعل ذلك كل يوم..!!
إنتهى.
شيماء 

الأربعاء، 7 أغسطس 2013

رائحة الكعك..



منذ فترة طويلة وهي هادئة تماماً، لا تتحدث مع أحد تقريبًا..
ومنذ بدأ رمضان رزقها الله قدرًا كبيرًا من السكينة، كأن قلبها صار حرًا يسكن طبقات السماء العلى.
"إنه الزهد"
أجاب أحد المساعدين عن سؤال عنها بينما هو يشير إليها بعينيه وهي تعبر إحدى الممرات حاملة ملف أسود كبير وثقيل، فإذا بالسائل يعلق: "تبدو حزينة.." فيجيب المساعد: "لا ليست حزينة؛ لقد صارت مختلفة فقط.. كأن روحها تبدلت.."
وفي اللحظة ذاتها سقطت ورقة من الملف الثقيل فانحنت لتأخذها من فوق الأرض ثم دستها في مقدمة الملف وعاودت السير مرة أخرى حتى وصلت إلى مكتبها، غلّقت الباب ثم انحنت إلى درج صغير في خزانة الملفات ومدت يدها إلى جيبها فأخرجت مفتاحاً، فتحت الدرج الصغير ونظرت إلى العلب الملونة الصغيرة بابتسامة واسعة؛ ثم أخذت تعد العلب بأصابعها كطفلة تخاف أن تسهو عن العد حتى اطمأنت إلى صحة العدد، فأغلقت الدرج وأعادت المفتاح إلى جيبها.

لازالت العاشرة صباحًا..!!
تهمس لنفسها بأن الوقت سيمر بسرعة فقط ان انشغلت بأعمالها اليومية العادية وأن الوقت سيمر بالفعل لأنه لا يفعل شيئًا آخر منذ قديم الزمن، وظيفته هي أن يمر.. فقط!
انهمكت في مراجعة العقود الجديدة لبعض للمقاولين وأعادت ضبط بعض الأسعار ثم أذن الظهر فابتسمت، لقد بقي من اليوم ساعتان أو اقل..
الثانية إلا عشر دقائق..
نزلت ببصرها عن ساعة الحائط ثم تناولت كيساً بلاستيكيًا أبيض من تحت المكتب، ثم قامت إلى الدرج السري الصغير، ورصت فيه العلب الصغيرة واحدة تلو الأخرى وهي تعدها مرة واحدة أخيرة.
وفي الطريق، تبادرت إلى ذهنها أفكار كثيرة، لكل فكرة منها لون وصوت وشكل، كانت الأفكار تردد نفسها بداخلها؛ نفس أفكار الوحدة التي كانت تخيفها سابقًا حين كانت تخبرها أن قلبها تقلص، وأنها جافة من الداخل.. وأن ما لا تستخدمه من نفسها في طريقه إلى الضمور والموت، وأن بداخل رحمها خلايا صغيرة تموت طوال الوقت وكان من الممكن أن تصير أطفالًا، لكن ذلك لم يحدث، تذكر بخوف المساومات التي يفرضها الآخرون عليها، على شرفها.. ويكون الرهان على الضعف وعلى جوعها العاطفي في وحدتها هو سيد الأمر كله، وهي تتمسك أكثر بالوحدة.. لأنه لا سبيل آخر للأمان، وفي كل مرة ظنت أنه هناك طريقٌ للحب، كان ذلك ليس حقيقيًا، فتسرب العمر منها ولم تحصل على شيء سوى الوحدة الآمنة والكتب والموسيقى وبعض الدعوات والأمنيات القلبية من فقراء لا يكادون يعرفونها، وبعض الابتسامات الطفولية من شفاه صغيرة لأطفال ليس لديها مثلهم.

كان «الخَبْز» هو الطريقة الوحيدة التي تتغلب بها على خوفها وشوقها ورغبتها وغضبها، وليلة العيد عذرٌ مناسبٌ للخبز،لأن رائحة المخبوزات المنزلية تعالج غيرتها وإحباطها وتعبها وإرهاقها.
فتحت كيس الدقيق ثم أخذت تملأ الكوب الكبير وتعده، تذكرت المرة الأولى التي خبزت فيها «الفطير المشلتت»  وأرادت أن تبتسم لكنها لم تستطع، كأن شفتيها مطبقتان لا ترغبان في الابتسام، ثم يصل إلى أذنيها صوت فيروز عبر مذياع مهمل في ركن المطبخ بينما تقلب العجين في خلاطة كهربائية كبيرة، وانتظرت أن ينتفض قلبها لكنه لم يفعل.

ظلت تراجع مشاعرها وهي تضغط بأصابعها على العجين وتسأل نفسها، ما الذي تشعر به؟ فتجيب بنفسها أنها لا تعرف، لا توجد مشاعر محددة لكنها ليست حزينة وليست قلقة.. ولا شيء هناك لتنتظره ولا حدث لتترقبه، هي فقط تطرد أفكارها السيئة بالخبز.
بدأت في تشكيل الكعكات الصغيرة، ثم صارت تنقشها بنقشات صغيرة متشابهة بـ«مُنقاش»، وانهمكت في ذلك تماماً حتى وضعت الكعكات في الفرن ووقت تراقبها تنضج من الزجاج الأمامي، ووقفت تستنشق رائحة الكعك في هدوء.
عندما أخرجت الكعكات من الفرن، قفز «هو» إلى ذهنها مرة أخرى، لازال يعبر ذهنها على فترات متباعدة، تذكرت تلك الشامة فوق شفتيه وابتسمت، جزءٌ منها أراده أن يتذوق هذه الكعكات الطازجة، لكن ذلك مستحيل.

تركت الكعكات تبرد ثم ذهبت إلى غرفتها، أخرجت ثلاثة أكياس كبيرة، كيسٌ فيه طائرات وسيارات وعرائس صغيرة، وآخر فيه قطع من الشوكولاتة بأغلفة ملونة، وثالث فيه سكاكر ومكسرات مقشرة، تناولت العلب الصغيرة، وصارت تنقش على كل علبة حرفًا بالإجليزية، مر «هو» بذهنها مرة أخرى هناك طفلٌ جديدٌ انتقل أهله إلى بناية مجاورة يحمل نفس الاسم ويحب الطائرات، فتحت الصندوق ووضعت فيه الطائرة البلاستيكية الصغيرة وقطعتين من الشوكولاتة وحفنة من السكاكر والمكسرات، وكررت ذلك مع كل صندوق صغير، فصار لديها أربعة عشرة صندوقًا صغيرًا عليها حروف أجنبية مختلفة.
في المساء، جلست تحضر أطباق الكعك البلاستيكية المزخرفة للجيران، وأخذت ترش السكر فوقها في هدوء، وقامت بعد صلاة العشاء فارتدت عباءتها المخططة وحجابها المزركش الأنيق وذهبت توزع على بيوت الجيران أطباق الكعك الصغيرة، تمنت أن تمنح الآخرين بعض الفرح، بعض الشوق الذي كافحته بخبز الكعك، بعض الحب الذي نزل من أصابعها وهي ترش السكر، وكانت تدعو الصغار في كل بيت إلى حفلة صغيرة بساحة البناية بالغد بعد صلاة العشاء.. ليلة العيد.
 ____________________________

هذه التدوينة عيدية مهداة إلى كل الرائعات والوحيدات والجميلات والدافئات
إلى كل الفتيات اللاتي تقمن برش الحب مع السكر على كعكات العيد
بارك الله أعيادكن.. وأيامكن.. ورزقكن سعادة وحبًا وأمانًا من حيث لا تحتسبن
:)
عيد سعيد؛
شيماء علي

الخميس، 18 يوليو 2013

The Number 33..



طيب.. 
33 سنة.
أنا اتفزعت على فكرة لما انتبهت اني بقيت 33 سنة.. وبعدين قررت اني اكتب نص زي  ما بعمل دايمًا يوم عيد ميلادي، وفكرت اني ألخص اكتر مواقف مهمة حصلت معايا وأحطها في هيئة قصص قصيرة بس ماقدرتش لأسباب كتيرة، منها إني ماقدرش أخلي حد يقرا الكمية دي من الكآبة مرة واحدة.. حرام يعني.
حاولت أكتب فصحى بردو بس مخي مش مرتب، مش عارفة تأثير رمضان والحر ولا تأثير الضغط اللي أنا تحته دلوقتي بسبب عوامل كتيرة أوي، في نفس الوقت حسيت إني محتاجة أتكلم بشكل حميمي، وعشان كده قررت إني ألخص هنا الحاجات اللي اتعلمتها في خلال الـ33 سنة اللي فاتت، وهي غالبيتها حاجات بشعة ومش حلوة ومش كويسة لكنها حقايق، وأنا أزعم إني حاولت أغيرها في أكتر من مناسبة وموقف وبأكتر من طريقة، بس في الآخر تبينت إنها مابتتغيرش، هي قبيحة لأنها قبيحة.. وحقيقية.

أول حاجة وأكبر حاجة اتعلمتها هي إن أي معلومة ممكن أقولها لحد في وقت فضفضة فيه احتمال كبير إنها تستخدم ضدي فيما بعد، وده ثبتت صحته بشكل متكرر، يعني أي حد ممكن يستغل أي حاجة عشان يقوم بالإضرار بيا، ومن هنا مابقيتش باقول حاجة لحد، ومفيش حد يعرف عني كل حاجة حتى لو هو اعتقد في ذاته ده، فده مش صحيح أبدًا.
ممكن أي حد يعمل أي حاجة في أي وقت، وده بيخليني دايمًا أفضل إن الناس تبقى على مسافة مني، أو إني أكون على مسافة منهم بشكل يخليهم مايقدروش يشوفوني من جوايا بوضوح، عشان اللي في حضني دلوقتي ممكن أصحى بكرة ألاقيه قاطع فيا وريدين ومكمل طريقه عادي من غير ما يحاول يبص وراه.. وده حصل كتير في أكتر من موقف.

تاني حاجة..أي حد تسمح له الظروف إنه يسيئ التصرف سيسيئ التصرف، خصوصًا لو تأكد إنه مافيش عقوبة، ده تطبيق بسيط لعلم النفس، فيه نظرية نشأت-عن تجربة ميلغرام وتجربة استانفورد- بتقول إن حوالي 65% من الناس ستسيئ التصرف إذا كان معاهم سلطة مع ضمان عدم العقاب، وعشان كده أنا اتعلمت بردو بعد ألم شديد وتجربة مريرة، إني ما اسمحش لحد إن يكون له سلطة أكبر مني في علاقته بيا، يعني مافيش حد يمسك مقاليد الأمور كلها في أي علاقة، لأنه سيفسد العلاقة بسوء تصرفه عشان هيكون متأكد إني أضعف من إني آخد موقف منه أو ضده.. ودي طبيعة بشرية مثبتة علميًا، ومش مضمون في مجتمعات عنيفة متخلفة زي مجتمعاتنا إنك تقابل حد من الأربعين في المية اللي عندهم أخلاق ومش هيسيئوا التصرف لو أتيحت لهم سلطة من أي نوع دون عقاب.. وممكن يكون حظك أحسن مني.. وتقابلهم.. وخليك فاكر.. الملايكة أطهر من إنها تمشي على الأرض.

حاجة كمان.. الفلوس.. الفلوس ممكن تشتري حاجات كتير.. ومنها النسيان.. ومافيش حاجة في العالم ممكن تحصل من غير فلوس، هو فيه شوية حاجات مش ممكن تشتريها بالفلوس ودي متفق عليها، بس الأدوية دلوقتي والكيميا في المخ والعلم بقوا بيحلوا مشاكل كتيرة، وكله بتمنه طبعًا، أنا كنت باقول ان الفلوس مش كل حاجة.. بس فعلاً مافيش حاجة في العالم ممكن تحصل من غير فلوس، وبمناسبة النسيان، لو معاك فلوس كويسة تقدر تتعالج بالتنويم الإيحائي عند حد متخصص يقوم بفك الارتباط العاطفي بينك وبين أي ذكرى مؤلمة، وممكن يقوم باستبدالها، ودي طريقة علاج دلوقتي متبعة في إعادة التأهيل بعد حالات الصدمة الشديدة أو الألم النفسي والإكتئاب الحاد.

رابع حاجة بقى، قبل ما تخطي في أي علاقة مع أي حد لازم تتأكد من حاجتين، أول حاجة سلامة البيئة اللي اتربى فيها وثانيًا علاقته بأمه وأبوه، لأن ده مؤثر قوي جدًا جدًا في العلاقات وفي نوع الشخصية وفي نموها النفسي ونضجها العاطفي، والنضج النفس-عاطفي ضروري جدًا لإقامة علاقة سوية مع طرف آخر، غير ان مجتمعنا فيه نسبة كبيرة من البيوت باردة عاطفيًا وانفعاليًا ومهملة وبتطلع لنا ما شاء الله نرجسيين وسايكوباتيين وفصاميين و ثناقطبيين وكل اللي انت تحبه، والنسب دي مرتفعة عند الذكور اللي بيتربوا بقسوة عشان يطلعوا «رجالة».. فيا بنات..أي حد يقول لك أي مؤشر عن أي خلل في علاقاته أو بيئته؛ اقلبي الترابيزة عليه وسيبيه واطلعي اجري.. اهربي.. جد مش هزار.. انا عملت فيها 7 رجالة في بعض وماهربتش في كل مرة كان لازم أهرب فيها، فخليكي أذكى مني.

خامس درس.. مافيش حاجة اسمها فرصة تانية، أي حد هتديله فرصة تانية هيكرر نفس أخطاء الفرصة الأولى بشكل أفدح وأسوأ وأقذر، فعشان ماتضيعش وقتك وعشان ماتبذلش مجهود تزرع في أرض بور عمرها ما هتخضر، ماتديش فرص تانية، عشان الوجع بعد الفرص التانية بيبقى أقوى وأكبر، فـ«انج» بنفسك زي ما بيقولوا، وخليك عملي، أنا في كل مرة كنت عاطفية فيها دفعت التمن لوحدي.

درس أخير مهم، لو انت في علاقة عاطفية، ماتقسمش كل حاجة بتحبها بينك وبين الطرف التاني، لا تقسم المزيكا اللي بتحبها ولا الأفلام اللي بتحبها ولا أي حاجة بتحبها وبتمثل جزء من بهجتك الشخصية، ممكن تقسم معاه شوية حاجات أبسط من إنك تكون بتحبها وبتميزها عن غيرها، عشان لو الطرف ده مشي أو غدر بيك؛ كل الحاجات اللي كانت في يوم من الأيام بتفرحك وإنت لوحدك هتبقى سكاكين نازلة تقطيع في روحك باستمرار، ومش هتلاقي حاجة تطبطب بيها على نفسك، اللي أقصده، ماتخليش حد يحط لك بصماته على كل حاجة، خلي دايمًا جزء ليك لوحدك عشان تقدر تطبطب على نفسك بيه وقت ما تحتاج ده.

ودلوقتي، أقدر أقفل معاكم العام رقم 33.. وليا أمنية واحدة بس السنة دي.. إنها تعدي من غير وجع قلب، عشان أنا شبعت وجع قلب.. شبعت فعلاً.. وماعادش فاضل فيا ولا باقي مني كتير.

طيب..
أنا يا جماعة عاوزة هدايا عشان عيد ميلادي.. ممكن؟ 
مزيكا، تلاوات حلوة، أفلام حلوة، تواشيح حلوة، كتب حلوة.. أي حاجة إليكترونية حلوة.. لو شايف إني أستاهل هدية في عيد ميلادي.. ابعتهالي على الايميل .. وأنا هاقولك شكرًا وهادعيلك.. :) .. ولو الهدية مميزة وحلوة.. هنستعرضها ونعملها ريفيو هنا على المدونة.. اوكي؟؟ :) 
وكل سنة وكلكم طيبين.
إيميل الهدايا : shymaa_ali@live.com 


الجمعة، 14 يونيو 2013

عن الزنزانة البيضاء.. إلى غادة خليفة..





عزيزتي غادة..
عندما قرأت رسالتك إلى مينا، وددت أن أرد عليها وكنت قد أخبرتك في وقت مبكر من الأسبوع الماضي أنك ألهمتني..
وعندما سألتني كيف؟ أخبرتك انني سأكتب ردًا على رسالتك.. وإليكِ أكتب.
ربما يجب في البداية أن أعرفك بحقيقة بسيطة عني، وهي أنني أعيش في زنزانة نفسية لها ثلاثة جدران بيضاء، والجدار الرابع من هذه الزنزانة ليس سوى قضبان متنوعة الألوان، تسمح بعكس بعض الأشكال على الجدران البيضاء التي أعيش بينها، فأظن أن هذا الوهم هو العالم الملون الحقيقي وأنني أعيش فيه، ولكن هذا لم يكن حقيقيًا أبدًا.
الحب يمثل تشكيلاً لونيًا مذهلاً، فهو دافئ وحميمي وشهي، شيء يشبه الفكرة الخيالية عن المنزل والحضن والاحتواء والرعاية، وكوب من الكاموميل يقدمه لك رجل في نهاية اليوم ليخبرك أنه يهتم لك، لتوترك وتعبك ويريدك أن ترتاحي قليلاً من هذا العالم، وبإمكانه أن يتلو كذبة بسيطة مثل: «سأصنع لكِ بين ذراعي عالمًا خاليًا من المنغصات» ثم ينساها فيما بعد.

لم أعرف الحب –حقًا- مرة واحدة في حياتي، كنت أنا أقع في الحب، لكنهم لم يكونوا واقعين فيه، لقد كانوا يجربون فقط كيف سأبدو حين أحب، حين أطرح ملابس العمل والحذاء الرسمي، ثم أرتدي قميصًا من الحرير وأسير حافية فوق سحابة، وعندما يملون مني، يذهبون، ويعيشون حيواتهم بالشكل الذي يختارونه، بينما أنا حبيسة نفس الزنزانة، لا يتغير أي شيء، سوى أنني أحاول أن أدلك الجروح التي يخلفونها ببعض الأمل والسخرية من الأشياء التي أحتاجها ولا أحصل عليها أبدًا مهما حاولت وبذلت من جهد.

وكنت قد عرفت فيما بعد، أنهم عندما يذهبون أصبح حكايتهم المفضلة، أنا الفتاة القوية التي تتحول إلى ورقة ورد بين أصابعهم، أنا التي تمنح كثيرًا ولا تنتظر، أنا التي صبرت واحتملت وصنعت معجزات كثيرة، أصير مجرد حكاية طريفة، يحكيها أحدهم لعشيقته بعد فراش من الحب الصاخب وهو يدخن سيجارة ما، ليخبرها أن هناك امرأة جنت به وأحبته، ثم ركلها جانبًا وفضل العشيقة عليها، فتبتهج العشيقة ثم تزهو بأنوثتها ويسعد هو بعطاء مستمر مجاني مقابل قصة طريفة، وفي نهاية الأمر يرتدي كلاهما حذاءه ثم يذهب في طريقه.
وفي حالات أقل مأساوية؛ أتحول إلى عدة قصائد في ديوان شعر، يبيعها الشاعر فيما بعد وتتحول إلى أغنيات، أسمعها وأضحك، لأنني تألمت بالمجان، بينما ربح هو الكثير من وجعي به..!

بعد أن اقتربت من الثالثة والثلاثين، تكونت لدي قناعات بشعة، ولكنها حقيقية ودائمة، ومنها انه لا يوجد شيء اسمه «كارما» ، وأن الأشياء التي نسعى إليها لا تسعى إلينا بالضرورة، وأن الحب لا يقابله حب دائمًا، وأن كونك صادقًا لن يعلم الآخرين الصدق.. هذا لا يحدث.. وهذه حقيقة.
تذكرين أننا عندما تقابلنا منذ عامين أول مرة؛ أخبرتني أن الألم الكبير يحدث مرة واحدة فقط، وكنت وقتها أؤمن بذلك، واعتقدت أن ألمي الكبير انتهى وولى منذ سنوات، ولكنني فيما بعد أدركت أنه كلما كبرنا صار الألم أعمق وأكبر، وهذا جعلني أغلق باب زنزانتي جيدًا، فلا يسمح بدخول أحد ولا مكان بين القضبان الضيقة يسمح بالتسلل.
تعلمت أيضاً أن الوحدة في زنزانتي البيضاء أفضل من احتضان صورة يكونها انعكاس الضوء عبر القضبان على الحائط وأفضل من قبلة معلقة بين شفتي أحدهم لن أحصل عليها أبدًا، وأفضل من لمسة غير كاملة تجعلني أتوق إلى صدر دافئ، وأفضل من رشفة وهمية من الحب الذي لا أثق في وجوده، كما أن زنزاتي بيها أشياء كثيرة جميلة، وأستطيع في بعض الأحيان أن أرسم شباكًا على الحائط لأنظر منه على العالم الذي هو ليس حقيقيًا بالأساس، وفي بعض الأحيان أكون اكثر شجاعة فأرسم باباً للمرور إلى العالم أيضًا، لأشرب القهوة السوداء وأستمع إلى حكايات السعداء الذين لزنازينهم حوائط أقل.. وربما أكثر بياضاً.
على الأقل لن أكون متعرضة للإهانات العاطفية الجسيمة التي تجعلني أبكي حتى تتساقط أهدابي، ولن تغضب أمي لأنني حمقاء أضيع حياتي في تفاهات، ولن يقلق أبي لأنه لن يشاهدني أبكي وأنا نائمة، ولن يعايرني أحد بأنني معطوبة نفسيًا دون أن يدرك السبب في مرضي.
ولن أضطر أن أقول لشخص : «أحبـــك»
فيكون رده: «أنا عارف إنك بتزفتيني»
وشكرًا.. يا غادة.

شيماء علي.




الجمعة، 7 يونيو 2013

في تمجيد «ولاد الكلب»



من المضحكات المبكيات..  حملة اكتب رسالة شكر من القلب..!!
الشيء المثير للضحك هو أنني لم أجد شخصًا واحدً يستحق أن أشكره وأبذل عظيم الجهد في انتقاء مفردات اللغة لتعديد مناقبه وأفضاله وجميل صنائعه.. وهذا أغضبني إلى حد ما في نفس الوقت..!
ولا أعرف كيف أبدأ هذه النوعية من المشاركات التدوينية، لأنني لا أستطيع نفاق أحد ولا أستطيع أن أنسج حبيبًا من خيالي أخبره بأن لولاه لصارت حياتي جحيمًا مثلاً..!!

عندما كنت في سن أصغر وبالتحديد في الثالثة عشرة من عمري، كان يجب علي أن أكتب خطاب شكر لشخص أهتم لأمره كواجب في نشاط الصحافة ، فاخترت أن أكتب خطابًا لمدرسة التاريخ –السيدة/ ختام رحمها الله- لأنها الشخص الوحيد في هذا العالم الذي أعانني على أن «أبتلع» مناهج التاريخ والدراسات الاجتماعية بسهولة، كانت رحمها الله دائمُا تقول لي  «لست بحاجة إلى أن تحفظي النص كاملاً، فقط افهمي القصة واجعليها في نقط.. ليس أكثر.»
وبعد ثلاثة أعوام من ذلك، كان يجب أن أكتب خطابًا سياسياً لأندد «بمجزرة قانا»، وكان هذا الخطاب السياسي أفضل ما كتبت على الإطلاق لأنني كنت مشحونة بالكثير من العاطفة، وللأسف لم أجد نسخة لأرفقها بهذه التدوينة، بالرغم من أنني أحتفظ بمثل هذه الأشياء والأوراق في ملف أصفر كرتوني، ولكن يبدو أنني أضعته أيضًا..!

عندما كنت أصغر كنت أكتب خطابات أجمل، ربما لأن الأشياء تبدو أكثر سحرًا في عين الرائي خاصةً إن كان صغيرًا ولم يقابل ما يسمى بـ«ولاد الكلب» بعد، حيث أن فصيلة «ولاد الكلب» تحتاج إلى طور نفسي - زمني للتكون، وإلى احتكاك أكبر بالحياة، ولذلك كانت أيام طفولتنا وأوقات مراهقتنا المبكرة أفضل مما تلاها بكثير.
وبالمناسبة، يبدو أيضًا أن «ولاد الكلب» سقطوا من سلم التطور الدارويني، فصاروا سلمة مكسورة في سلم التطور الذي يفترضه «داروين»، بل أنني قد استطعت أن أصل إلى استنتاج علمي رائع، وهو أن «ولاد الكلب» هم التطور الزمني والبيولوجي للكائنات الطفيلية وحيدة الخلية حيث تكبر وتتحول إلى شخص «ابن كلب» بدلاً من أن تتحول إلى مرض يسبب الإسهال، ولو كان داروين حيًا في زماننا ومجتمعنا هذا، لأرسل إليّ منحة علمية تعليمية لأساعده في بحث الطفرة البيولوجية التي جعلت الكائنات الطفيلية وحيدة الخلية تصبح شخصًا يعرف فيما بعد في طور النضج وحتى نهاية حياته بـ«ابن الكلب».

و«فرويد» أيضًا، لو كان حيًا وحظى بفرصة لدراسة نفسية «ولاد الكلب» في مجتمعنا، لاخترع نظرية أخرى للنفس غير نظريته الأساسية التي تقول أن النفس مكونة من ثلاثة عناصر (الهو – الأنا – الأنا الأعلى)، وكانت نظريته الجديدة ستقول أن فئة «ولاد الكلب» ليس عندهم غير الهو والأنا، لأن الأنا الأعلى مسافر في إعارة بصحبة الضمير والأخلاق والدين والمثل العليا إلى كوكب «ساتورن» العظيم، ولن يعود قبل عودة العصر الجليدي مرة أخرى.

أما عن نفسي، فبدون «ولاد الكلب» لما وصلت لما أنا فيه الآن، وأنا أدين لهم بجزء كبير من نجاحاتي في الحياة والعمل، لأن فشلي معهم كان دافعًا قويًا لهذا، فشكرًا للسادة / ولاد الكلب.
ولولاهم-السادة ولاد الكلب- لما اندفعت لدراسة علم النفس بشكل أكثر تخصصاً، وأبحث الآن عن إمكانية دراسة التحليل النفسي عن بعد عن طريق الانتساب لإحدى الجامعات ولكنني لم أصل إلى نتيجة بعد.
ومن هذا المنطلق، يجب أن نعي قيمة وجود «ولاد الكلب» ومرورهم بنا في حياتنا، فمن دون «ابن كلب» كذاب ماكنت ستعرف قيمة أن تكون صادقًا، ومن دون «ابن كلب» مخادع ما كنت ستعرف قيمة أن تحتفظ بوعودك وكلامك، ومن دون «ابن كلب» جبان وحقير ما كنت ستعرف قيمة أن تكون شجاعًا، ومن دون «ابن كلب» خائن وغشاش ما كنت ستعرف قيمة أن تكون وفيًا مخلصًا لفكرة أو لعلاقة أو لمبدأ، ومن دون «ابن كلب» فاشل جاهل لما كنت ستحاول أن تعلو أكثر بنفسك ومبادئك حتى لا تصير نسخة مما تكره.
فشكرًا.. شكرًا جزيلاً.. شكرًا للخذلان وللأوقات الضائعة وللعمر الذي راهنت به مراراً ثم وصلت إلى لا شيء، شكرًا للقلب الذي أضعته في مكان ما لا أذكره حتى أصل إلى الـ«ولا حاجة»، شكرًا للوجع والألم والإهمال، وشكرًا للمجتمع الذي يمجد «ولاد الكلب» بذكورية شديدة ولا يحاسبهم.. شكرًا جزيلاً.

الجمعة، 31 مايو 2013

حَديثُ ذاتٍ.. 19




ثلاثة أصابع من بسكوت البندق مع القهوة.. وابتسامة أمي..!
أتناول قهوتي على عجل دائمًا، وأسرع إلى الباب قبل أن يلقي إلي أبي بقبلة خفيفة ودعائه اليومي.. «ربنا ما يحرمني من فرحتك يا بنتي».. فترد أمي بابتسامتها الواسعة مرة أخرى.. «ربنا كبيـــــــــــر»
نعم.. إن الله كبير.. كبير جدًا..!
في كل مرة تحدث أبي عن الفرح، لا أستطيع أن أرد عليه، وأنا لا أعرف عن أي فرح يتحدث، وأي فرح سينمو في حياة امرأة مثلي؛ يدس لها الناس السم في كل شيء، فصارت فزعة وخائفة ولا تشعر بأي أمان في هذا العالم.. وليس لديها إيمان بأي شيء غير أن الله لن يجعلها غريبة في هذا العالم طويلاً، وأنه سيأخذها إلى عالمها الحقيقي في وقت ما.
كنت أفكر طوال اليوم في شراء أكواب قهوة جديدة؛ أمي تخبرني دائمًا ان إدماني على جمع أكواب القهوة غريب لأنني لا أستخدم إلا كوبًا واحدًا، وأبقي الأكواب الأخرى في الرف الأعلى في خزانة المطبخ، وقالت لي أمي أن لدي عشرين كوبًا..!
لا أعرف متى اشتريت كل هذه الأكواب، لكنني أعرف أنه كلما رأيت كوبًا جميلاً اشتريته وأخبرت نفسي أنني سأشرب فيه القهوة في وقتٍ ما، ثم أنسى ذلك وأنشغل بأشياء أخرى تافهة أيضًا..!
لدي امتحان في علم النفس خلال هذا الأسبوع، لقد عكفت على دراسة علم النفس منذ فترة قصيرة، وكلما عرفت أكثر وزاد علمي أكثر كرهت هذا المجتمع أكثر، مجتمع الجهل والخرافة والذكورية والعقد..!
قالت لي صديقة منذ أيام قليلة أن عيني فارغتان، لم أفهم معنى أن تكون عيناي فارغتان!
وعندما سألتها عن معنى ذلك، قالت لي أن بهما ذبولاً، وما عادتا تلمعان.. فقلت لها أني أحلم دائمًا ومنذ فترة قصيرة أنني وردة مثبتة في الأرض، تذبل كل يوم.. تسقط منها بتلة كل يوم.. ولكن ليس لها ذراعان لتلتقط بتلاتها الساقطة، فتشاهد نفسها تذبل دون أن تتحرك.. حتى يقصر ساقها تدريجيًا، كأنها تعود إلى الأرض مثلما بدأت من الأرض، وفي لحظة الدفن تحت الأرض أستيقظ خائفة..!
اقترحت صديقتي أن أقابل أحد أصدقاء زوجها، وعندما ذهبت بصحبتها ذلك المساء، صار ذلك «الذكر» يسألني عن دخلي ومقدار ما أنفق ومقدار علاوتي السنوية ومميزات وظيفتي المادية ونوع سيارتي وإن كنت اشتريتها بالأقساط أو أنني دفعت ثمنها نقدًا، أجبته أنني لا أشتري أشياء لا أستطيع أن أدفع ثمنها ولا أحمل مسؤوليات أدرك جيدًا أنني لن أستطيع أن أتحكم بها.
«الذكر» الذي يحب التدخين، تفكيره بسيط ودخله أقل من نصف دخلي بقليل، هو رجل يحب المال والمال والمزيد من المال ويريد شريكة تساعده في جمع مال أكثر، ويراني مغرورة، مع أنني لست جميلة بما يكفي، ولأنني لست بيضاء، لم تعجبه بشرتي القمحية. (صرّح لي بأنه يحب البيضاوات وأنه يريد امرأة تعمل ليحققا طموحاتهما المادية معًا)
«الذكر» الذي يحب التدخين يحب كرة القدم ولا يعرف شيئًا غير أسعار العملة المحلية، لا يفهم في الموسيقى ولا يقرأ ولا يشاهد أفلامًا بلغات أخرى غير العربية، ويرى نفسه مثقفًا. (أنا أكره المثقفين وكل من وصف نفسه بأنه مثقف)
«الذكر» الذي يحب التدخين وكرة القدم والمال صار يتعجب أنني لا أبذل جهدًا في استمالته، أنا جالسة قبالته ألعب بالمناديل الورقية، وأتحدث معه عن سيجموند فرويد وعن أمراض المخ،  ولا انظر إليه باحترام أو إجلال.. أنا لا أشعر بأي شيء سوى الفراغ.
الذكر نفسه، صار يحكي لي مغامراته العاطفية وكيف أنه يرفض الفتيات الغير مطابقات لمواصفاته، ولعله ظن أنني سأخاف وأحاول أن أفعل شيئًا حتى لا أفقد «عريسًا» محتملاً، لكنه لم يعرف أيضًا انني قابلته من أجل الفرجة فقط، وأنني لم أكن أحمل في نيتي أي شيء غير الفرجة المجردة..!
نفس الذكر قام غاضبًا لأنني كنت أسخر منه طوال الوقت، ولأنني خرجت عن حدود اللياقة عندما أخبرته ان كل القصة إذن أنه يريد أن يتزوج ببطاقة سحب آلي بيضاء اللون وأنا أضحك لأخبره أن معي بطاقة سحب بيضاء بإمكانه أن يخطبها الآن، وثار عندما أخرجتها من محفظتي!
وعندما هم بالرحيل، نظرت إليه ثم وضعت يدي على صدري قائلة بسخرية: «أرجوك.. ماتكسرش قلبي» 
قدت إلى المنزل وأنا أغني مع سيناترا.. 
And now, the end is here
And so I face the final curtain
My friend, I'll say it clear
I'll state my case, of which I'm certain
I've lived a life that's full
I traveled each and every highway
..And more, much more than this, I did it my way

وفي الطريق توقفت لشراء فشار بالكراميل والفول السوداني وكوبًا كبيرًا من عصير البرتقال.
ولم ينته العالم.. بعد.