الأربعاء، 9 فبراير، 2011

تعليقٌ على ما حدث ..



لست ُ من العالمين ببواطن الأمور أو مدعي الحكمة أو العلم السياسي ، كما صار يقفز كثيرون إلى منصاتهم الإلكترونية الافتراضية ليعلنوا أنهم علماء فقه في السياسة ، حتى صار الأمر أشبه بالدراما التي تملأ الفراغات في عقول السطحيين و غير المدركين .

نعم ، استطاع شبابنا المحبَط جداً أن يتحول منذ يوم 25 يناير إلى بطل إعلامي و سياسي ، بشكل يدعو للفخر ، و إنني مثلي كمثل كثيرين ، وقفوا وقفة احترام و إجلال لهؤلاء الذين كانوا أفضل و أكثر شجاعة من غيرهم ، الذين يطالبون بـ " عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية "

و نظرًا لحالة البطء المميت و التطنيش التي مارسها النظام القديم العجوز و ارتفاع كمية الدماء المسالة على أرض البلد ، قام الشعب الجسور برفع سقف مطالبه إلى ما هو أشجع .. إسقاط النظام بأكمله .. !

كنت أقول ، أننا لن نتغير ، و كنت أقول ، أن شعبنا هذا سيظل أسيرًا للقمة العيش و لخوفه من العسكر و أمناء الشرطة الذين يمدون أيديهم دونما خجل في جيبه ، و كنت أقول أن هناك شبابًا لن يستطيعوا أبدًا أن يحملوا سلاحًا ليتوجهوا إلى ساحات المعارك إن قدر الله لنا أن نخوض إحداها .

كنت أرانا سلبيين حد فقدان الحياة ، و كنت أرانا فقط "عايشين و السلام" ، و كنت أرى أعداد المحبطين تتزايد يوميًا ، مئات الآلاف يجربون حظوظهم في يناصيب الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، و أدراج مكاتب الهجرة إلى كندا و أستراليا تعج بالآلاف من الطلبات ، لقد صار الناس يبحثون عن وطنٍ آخر أو حياة بالقدر المعقول من الكرامة التي يجب أن تمنح للإنسان بصفته إنساناً بشكل مجرد ، دون واسطات أو توسيطات أو كروت عمل موقعة من علية القوم المفخمين و المعصومين ، ربما لأنهم ظنوا في لحظات إحباط و خيبة أمل أن هذه الأرض "لهم " ، لهؤلاء الآخرين ، أصحاب القصور و السرقات و النهوبات و الأرصدة المتضخمة.

ليلة الخامس و العشرين من يناير كنت لا أزال بالمستشفى ، و كنت أتابع بقلق تطورات أوضاعنا الجديدة ، و خفت أن تقتل السلبية هذه الثورة ، خفت أن لا يتحقق شيء ، خفت أن نفقد المزيد من الكرامة ، خفت ألا ننطق هذه المرة أيضًا ، خفتُ أن أتأكد من ضعفنا إن فشلنا بذلك ، و خفتُ أن يتمكن الخوف من قلوبنا فيقتل هذا الحلم الذي عاش الكثيرون ليشهدوا مولده .

عدت إلى منزلي ظهر الخامس و العشرين من يناير ، صرت أقلب قنوات الأخبار ، و أتابع تحديثات الصفحات التي تبنت شجاعة الثورة ، و استمرت حالي حتى كتابة هذه الكلمات بمثل ذاك ، كأمثال كل المصريين الذين حرموا من الوقوف بوسط المعتصمين ميدان الشجاعة ، رافعين بأيديهم أحلام شعب أكل آماله ظلم سرطاني موجع .

لقد تغيرت مصر ، كأن دماء الشهداء و الجرحى التي تشربتها أرصفتها و شوارعها امتصت إلى قلب أرض الوطن ، فبثت فيه الحياة و بعثت الشجاعة و الجسارة في نفوس من يطأون فوقها من شرقها إلى غربها و من شمالها إلى جنوبها ، و هاجمت السلبية فأردتها قتيلة ذابت و تبخرت من داخلهم ، و فكت تميمة السحر الأسود التي حولتهم من مغاوير قدامى إلى خائفين مرتعشين من العصا و البندقية .

كأن رائحة دماءهم انتشرت في الهواء فصنعت رائحة الحرية ، فصار الهواء عاملاً آخر يدخل إلى أجساد المصريين و أوردتهم ليمحو ما ترسب من ألم و ذل طوال عقود طويلة ، ليصيروا أحراراً ، فيقفون في البرد و يتحملون المطر و الغبار و الجمال أيضاً من أجل إزالة المرارة من قاع هذا الوطن .

يا شباب هذا البلد ..

إن أي مزايد على وطنيتكم فاسد ، و أي مساوم على شرفكم لا شرف له ، و كل من يتهمكم بالعمالة مزعزع فاقد الثقة ، و كل سلبي اعذروه .. فالنفس تتوق للصورة الأقرب من الاستقرار الذي ظنته استقرارًا في ظل الكثير و الكثير من الظلم و الذل لأن هذا ما ألفته ، وكل هؤلاء سيتغيرون ، عندما تشرق شموسكم أكثر ، و عندما تسمع أصواتكم في جنبات الغد الصادح ببطولة هذا الشعب .

و لا تسمحوا لأحد بأن يحقق أحلامه الفردية عبر دماء شهدائنا ، و لا تسمحوا للمتسلقين بأن يجدوا أدوارًا للبطولة دون استحقاق .. فقط .. لا تسمحوا بذلك .

يا شهداءنا ..

دماءكم النبيلة هي التي صنعت منا شجعاناً و أبطال و مطالبين بحق قديم كنت حسبتنا نسيناه ، رحمكم الله يا من نلتم شرف الشهادة .

إن مصر الآن تحتضن في أرضها أجساد ثلاثمئة شهيد أو يزيد ، و أحسب أنه من العار أن نتخلى عن دمائهم ..!!

أكرموا الشهداء .. لا تنسوا قضيتهم .. و ارفعوا أيديكم بالدعاء من أجل مصر الحبيبة.