
في بعض الأحيان نحتاج إلى مساحة للفضفضة ، و لا ضير في إقامة هذه المساحة هنا ، خصوصاً و أنني لم أكتب منذ فترة تكاد أن تكون بعيدة .
لا يهمني أن يقرأ هذا الكلام أي من الذين مروا بحياتي سراً أو جهراً ، و ما عدت أهتم كثيراً بشكلي أمامهم خاصةً و انهم في الواقع مسوخ بشرية ، أي انني مهما بلغت من البشاعة فلن اكون أبشع منهم ، و مهما بلغت من البغض فلن أكون أبغض منهم أيضاً ، فلا مانع ان أعبر عن ضعفي قليلاً، أو أن أسكب بعض الدمع في مكانه الصحيح و لو لمرة واحدة !!
و لأن الفضفضة بشكل عام ما عادت تشفي الملل الذي صار يسري في يومي و ربما في غدي ، و لكن لها تأثير مسكن بطريقة ما على أعصابي المنهكة و نفسي المتعبة ، و روحي التي سقطت من سجل الراحة ، فسأجعل هنا مكاناً لي ، علني أربت على ما تبقى مني بقلمي أو أسري عني قليلاً .
الأمر هنا لا علاقة له بالحب ، أو بالكراهية أو بالانتقام أو بالسخرية من أكاذيب أحدهم الملونة ، أو التشفي بالفاشلين و الشماتة بهم ، لكنه خليط موجع من المشاعر ، التي تؤلمني قدر عدم القدرة على البكاء .
لقد اكتشفت منذ شهر تقريبا ، أن الذين أحبهم يصعدون إلى السماء !!
منذ عشرة سنوات ، عرفته ، كان واقفاَ على ذاك الرصيف المرتفع ، يرتدي معطفاَ أسود جلدي ، و قميصاً أزرق ، و سروالاً كحلي ، اقتربت منه لأسأل عن محاضرة الرياضيات المقامة بمدرج 4 ، حين كنا بالسنة الأولى ، فقال مبتسما: على فكرة انا في الكترونيات .. انا مش بحضر مع مدني ." فاعتذرت و ذهبت .
لا أعرف كيف صار هذا الفتى صديقي ، كانت له أفضل ضحكة على الإطلاق ، و أصفى قلبٍ يمكن ان يخلق في صدر رجل ، كان رجلاً حقاً ، فلم يتوانَ عن المساعدة بسيارته الزرقاء الصغيرة في الحالات الطارئة ، و كان كريماً جداً ، فلا يبقي في جيبه شيء ، و إن تبقى فهو قليل جداً لشراء أي شيء صغير جداً !!
لقد رحل صديقي إلى السماء ، تاركاً زوجته و جنين يبلغ برحم أمه شهرين فقط ، لم يرَ النور بعد ، و لن يرى أباه ، هذا الذي كان له الحق في أن يفخر بأبيه ، فلم يكن كاذباً أو صائد فتيات أو زير نساء ، أو مرائياً من بتوع عهد الله ..!!
و تبعه في فراق آخر أستاذ مادة تحليل الإنشاءات ، لم أكن أحب هذا الرجل إلى ان وصلت إلى السنة النهائية ، حين تحول من أستاذ مادة سخيفة ثقيلة الدم إلى أب ، يمزح ، و يضحك ، و يستمع ، و أذكر انني لم أنجح في أي من فروع مادته بأجزائها من أول امتحان ، بل أنني كنت أرسب في مواده ، لأنني كنت أميل إلى التصميم عن التحليل ، و عندما من الله علي بقليل من الذكاء، تمكنت بصعوبة أعاجيبية من النجاح في مادته لدرجة أنني لم أصدق أنني نجحت !!
علمت أنه كان مريضاً ، ضعف جسده الصابر المتألم كثيراً ، و هزمه المرض ، لكنه القدر.
كل نفس ماتت بعد استكمال رزقها في الدنيا ، و أسأل الله أن يجعل قبريهما روضتين من الجنة ، و أن يؤنس وحدتهما ، و أن يكرم مثواهما وأن يحسن منزلهما و أن يرفع درجاتهما بالجنة ، و أن يغسلهما بالماء و الثلج و البرد ، و أن يغفر لهما و لنا يوم نصير إلى ما صاروا إليه ، تحت التراب و الجنادل وحدنا .
أنا لست غاضبة من أحد الآن ، فما عاد أي شيء يعنيني على الأقل حالياً ، و ربما حين يسمح مزاجي، أعود إليكم ببعض الرسائل القصيرة ، التي كنت أنوي نشرها لكنني لن أفعل الآن ، فما أشعر به من وجع يكفيني ، و لن أرغب في توضيح أي التباسات في فهم أي شيء ، و لن أشرح لأحد أي شيء ، و من لا تعجبه المدونة أو لا أعجبه أنا ، كل ما عليه فقط أن ينسى الطريق المؤدية إلي ، لأنني لا أسير نحوك ، و لكنك انت الذي أتيت بمحض رغبتك ، و أنا لن أغضب من أجلك و لا عليك و لا منك لأنني لن أشعر بك البتة !!
أعرف ان الزهور تتفتح كل صباح ، و الياسمينات تتراقص مع النسائم الصباحية ، و أعلم و الله ان الأمل هو روح الدنيا ، و أعرف ان هذه ليست نهاية العالم ، و أعرف أنني أستحق كل هذا ( كما سيهمس بعض الفاشلين إلى أنفسهم في انتصار أحمق لم يصنعه أحد ) ، و على دراية بأن الأيام تدور ، و الفراق جزء من الحياة ، و مادمنا أحياء فسنفارَق إلى أن نفارِق ، فلا داعي لأن أقرأ هذا الكلام بتعليقاتكم رجاء، لأن لي صديق يقوله لي مجاناً كل صباح منذ غادر الرجل الذي أحبه ، و لي صديق آخر يقوم بعمل رائع لتحسين مزاجي لكنه غير قادر على شراء المثلجات الإيطالية للتخفيف عني أو للاستماع إلي حيث أنه مكتئب حالياً ، و كل هذه الأشياء ما عادت لتجدي معي ، فلا تحاولوا رجاءً ..!!
شكراً لمن تغير مزاجهم سلباً !!
و للشامتين فيَ أيضاً .. علهم يموتون بغيظهم !!
ملحوظة : الصورة بالأعلى صورتها بنفسي من الموقع بتاعنا .. ايه رأيكم في الغيوم من عندنا ؟؟









