الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

عزيزي سانتا..




عزيزي سانتا كلوز.. 

أعرف أنك ستندهش من هذه الرسالة، أنا لا أكتب رسائل إلى أشخاص لا أعرفهم شخصيًا، وأعرف أننا لم نتقابل من قبل، ولكنك ستعرفني أو ربما تعرفني بالفعل لأنك تحتفظ بقوائم أسماء للطيبين والأشرار، وأنا أراهنك أن اسمي كان موجودًا في قائمة الطيبين في الاثنين وثلاثين عامًا الأخيرة، لأنني لا أذكر أنني آذيت أحدًا بحسب مقياسي البشري البسيط، لكنني لم أتسلم أية هدية منك.

أعرف أنك تزور الناس مرتين، مرة في ليلة الخامس والعشرين من ديسمبر ومرة في ليلة السابع من يناير، ولكن إحدى الصغيرات أخبرتني أيام سنوات الدراسة الابتدائية أنك تزور الناس كل يوم بين الليلتين، لأن هناك أناسًا يحصلون على هداياهم بعد تصحيح أخطائهم أو بعد الاعتراف بذنوبهم، وأتفهم أنك في كل مرة زرتنا لم تجد الكعك بالزنجبيل ولا كأس الحليب ولا الشجرة، لكنهم قالوا إنك لا تهتم كثيرًا بموضوع الشجرة، ولكن يهمك الحليب والكعك، لذلك سأخبرك أنني أحتفظ بحليب خالي الدسم بالثلاجة وأحتفظ بعلبة بسكويت «دايجستيف لايت» في خزانة الأطعمة الخفيفة، وهي على يسار باب شقتنا، وبإمكانك أن تتناول أي كمية ترغب بها، ولا مشكلة في ذلك.

عزيزي سانتا..
أنا لا أعرف كيف أملأ قوائم الأمنيات التي يرسلها إليك الناس، ومن أجل ذلك كانت الرسالة خيارًا أنسب، لأنني أحب الكتابة وأعتبرها بديلًا جيدًا للبوح، فدعني أتحدث معك عن قائمة الأمنيات أو الخيبات، فلا فارق كبير.

أريد ضمانًا أنه لن يخذلني أحد في 2013، أريد أن أتأكد أنه لن يكذب علي أحد، ولن يكسر قلبي أحد ولن يخدعني أحد، وأريد أن يحفظ الناس وعودهم لأنني أحفظ وعودي كلها وأفي بعهودي كاملة وعندما يحين دور الطرف الآخر في تنفيذ ما يخصه من الاتفاق أو العهد، فإنه يتخاذل دون سبب يمكنني من أن أعذره، وبعد ذلك يرغب في أن تستمر علاقتي به بنفس الدرجة، ويطلب أن أقطع على نفسي وعودًا أخرى لأنفذها..!!

أريد منك أن تضمن لي أنني سأقضي عمرًا كاملاً مع رجلٍ أحبه، وأنه سيبتسم في كل مرة كتبت لأجله كلمة، وأنه لن يشعر بالبرد أو التعب من هذا العالم البشع، وأن حبي له سيكون كافيًا ليخفف عنه ما يجد من صعوبة في الحياة والتأقلم، وأن عينيه الجميلتين العميقتين لن تعانيا من رؤية الكوابيس المزعجة أو الأحلام السيئة، وأن مشاعره الرقيقة لن تصدمها أية أحداث سلبية.

أرغب أيضًا في عهد مكتوب ينص على أن تلك المرأة المهووسة بزوجها لن تضايقني بشكوكها في لأنه يقرأ مدونتي، ولن تقوم بإرسال تعليقات سخيفة لي على المدونة لأنني لا أعرف زوجها، ولا أيسِّر خيانة رجل لامرأة أخرى أبدًا، ولأنني لن أصمت على أن تهينني امرأة مهووسة بزوج خائن هوائي المشاعر متعدد العلاقات لا علاقة لي به ولا أعرفه ولم أقابله في حياتي..!

وأخيرًا أريد أن أذهب إلى «روما».. لذلك امنحني تذكرتي سفر ذهاب وعودة بتواريخ مفتوحة، لأتمكن من تنظيم إجازتي العام المقبل حتى أدخر المال اللازم لمصاريف الإقامة والتنقلات، بدلاً من تضييع الوقت فيما لا يفيد.

والآن.. أريد منك أن تحضر لي صكوك الضمان في مظروف أبيض، وإن لم يكن لديك الظرف فبإمكانك أن تستعير واحدًا من مكتبة أبي بجوار الكراسي الذهبية ناحية الشباك الكبير، واترك المظروف فوق طاولة القهوة الصغيرة بجوار البيانو.
شكرًا لك.. سأنتظر الهدية كل ليلة.



الخميس، 20 ديسمبر، 2012

في انتظار نهاية العالم..




سمعت منذ أول ديسمبر أن العالم سينتهي في 12 ديسمبر 2012 حسب نبوءة قبيلة في مكان ما منذ آلاف السنين، وباعتبار أنني صرت أميل إلى السطحية والاستسهال نتيجة اكتئابي الشتوي، لم أبحث عن مصدر المعلومة أو دقتها، لكنني أردته أن ينتهي بالفعل، قررت في الحادي عشر من ديسمبر أن أكتب شيئًا على المدونة، لربما تأتي أمة أفضل منا تبحث في آثارنا ثم يقولون أنه كان هناك دخلاء على هذا الكوكب، لا يشبهون الآخرين وكانوا يعبئون أوجاعهم في صفحات وهمية في أشكال مرسومة على سطور متوازية يسمونها بـ«الكلمات».

ثم قررتُ ألا أمنح الأمم التالية فرصة اكتشاف كم أنني متعبة ومنزعجة من هذا العالم، لا أريد أن يبكي أحد وهو يعدد خيباتي الكثيرة، ويلتقط أشلاء أحلام بعثرتها عن عمد وسط كل صفحة كتبتها وقرأها الناس أو لم يقرأوها، مع إنني كنت أستطيع أن أكتب عن أشياء جميلة، كالموسيقى وقهوة الصباح وصوت رجل أحلم به ولا تطاله يداي، أو ربما أكتب عن المشي تحت المطر كحلم مضى ثم اختفى في الخط الواصل بين السماء والأرض، او أكتب عن صديقاتي الرائعات، أو عن أختي العزيزة وطفليها الجميلين، وكان من الممكن أن أتحدث عن الأطباق التي أجيد طهوها بسعرات حرارية منخفضة وبدسم قليل جدًا، أو أن أفاجئهم مثلاً بأنني أستطيع أن أطهو «الملوخية» بطريقتين مختلفتين، أو ربما أخبرهم بأنني صرتُ مهووسة أعد السعرات الحرارية التي أتناولها في الطعام وأسجلها كل يوم، وأحتفظ بجهاز صغير «بيدومتر» ليعد السعرات الحرارية التي أستهلكها طوال اليوم..!

أشفقت على هذه الأمة التي ربما تأتي بعدنا وتسمع ما كنا نقوله، أو تسمع كيف كنا نختلف، وكيف كنا نخسر أصدقاءنا، سيرون كم كانت أخلاقنا ومبادئنا مطاطة، كم كنا نضيع الحلال من بين أيدينا لأننا نتلذذ بالحرام أكثر ثم نشعر بالذنب ونعود إلى الحلال لنشتاق إلى الحرام وهكذا، سترى تلك الأمة الحروب الكلامية والكذب والتوجهات السياسية عديمة القيمة التي لم تفعل أي شيء سوى أن تزيد الضحايا والقلوب المحترقة، سيقرأون لـ«جلال عامر» رحمه الله و«جمال حمدان» رحمه الله ثم ستعجبهم رواية «العمى» لـ«ساراماجو»، وقد تعجبهم رواية «خفة الكائن التي لا تحتمل» لـ«ميلان كونديرا»، ولكنني أشك في أنهم سيفهمون جرائدنا  اليومية، لا أحد يفهم كل هذا الكم من السخافة والكذب والتضليل، ولن تعجبهم الكتب البلهاء التي تصدرها دور النشر كـ«سبوبة»، لأن أي عاقل لن تعجبه كتبٌ بهذه البلاهة والجهل والتكرار.

جلست في الحادي عشر من هذا الشهر أنتظر أن ينتهي العالم، فوجدت أنني لم أفعل أي شيء مختلف؛ استيقظت في الصباح، ذهبتُ إلى العمل، تنقلت بين اجتماعات كثيرة، ثم عدتُ إلى المنزل منهكة القوى، أبحث عن حمام دافئ وزيت البنفسج لترطيب البشرة، واستمعت إلى الموسيقى، ولم أفعل أي شيء، حاولت أن أحاسب نفسي فوجدت أنه لا داعي لذلك، ومادام أنه لا وقت للمحاسبة لأن نهاية العالم بعد ساعات، فإنه لا شيء سيتغير، حتى وإن تغير أي شيء؛ فما الجدوى بالأساس.. ؟؟ لا شيء..!

لو كان العالم انتهى لوفر علي ذلك الكثير من الاحتمالات، ما كنت سأقلق بشأن أشياء كثيرة، وما كنت سأشعر بالضيق من اجل استفتاء الدستور، وما كنت سأدخر مالاً لأشتري هدايا أعياد ميلاد أصدقائي الذين ولدوا في شهر يناير وفبراير وهم كثر، كنت سآخذ المال وأشتري حقيبة يد بنفسجية لأنني اشتريت الحمراء ثم أعجبتني البنفسجية في دكان آخر، وكنت قد أنفقت ميزانية التسوق الشتوية كلها، فلم أقدر على شرائها.

أخبرني شخصٌ آخر الآن أن هناك نبوءة أخرى تقول أن العالم سينتهي في الواحد والعشرين من هذا الشهر، ولو استمر هذا العالم بعد الحادي والعشرين من ديسمبر فسأشتري حقيبة يد بنفسجية وأخرى زرقاء، وسأكتب حصاد 2012 قبل نهاية العام.. وسأضع قبلة على جبين كل فتاة تتحمل هذا العالم وتحاول أن تقتنص لنفسها فرصاً للسعادة كـ«ريهام سعيد».






الأربعاء، 28 نوفمبر، 2012

حديث ذات.. 15




أشعر باحتقان روحي شديد.. 
منذ شهر تقريبًا وانا أتصرف كأن هذا العالم لا يخصني ولا أنتمي إليه..
أنا غريبة عنه بالفعل، أكره المجتمع ولا أحترم شرائح كبيرة منه، أكره العقليات المتحجرة، وأكره الرجل الجالس بالغرفة المواجهة الذي كلما تحدثنا بسبب العمل لا يرى في إلا صدري، هو لا ينظر إلا إلى صدري فقط.. كأنني تم اختزالي إلى عضو أنثوي بحت!
هذا المجتمع، يمقتني ويكرهني ولا يحترم إنسانيتي، وهناك دائمًا «آخرون» و«أخريات» وأشياء كثيرة سخيفة بلا معنى تحيط بي من كل جانب، أتمنى أن يتحول هذا العالم إلى فراغ وأعيش فيه وحدي مع عشرة أشخاص أحبهم وكفى.
بالدور الثاني من هذا المبنى يقع مكتب الاستشاري المصمم للمشروع الذي أعمل به، وبالأعلى عدد كبير من النسوة، اللاتي يتسلين طوال النهار بالحكايات الزوجية والجنسية والعائلية، ويتشاجرن فيما بينهن على توافه كثيرة، ثم يأتين إلي لأحكم بينهن؛ ولكن من قال أنني أكترث لهن؟ أنا لا أهتم حتى إن أحرقن بعضهن بعضًا لأنهن نتاج هذا المجتمع الذي جعل الناس لا يعرفون كيف يعيشون ولا كيف يستمتعون وأنا أكره المجتمع الذي يجبر أفراده على أن يكونوا جاهلين ليتمكنوا من العيش.
واحدة منهن تشك في أن زوجها متزوج عرفيًا من صديقة لها تعمل بالمكتب ذاته، وأخرى تحاول الإيقاع بأعزب وسيم يعمل كنائب كبير مهندسين وتجتهد في ذلك اجتهادًا مريرًا مثيرًا للشفقة حد الغثيان، وأخرى تخون زوجها مع شخص آخر لأنها لم تذق الحب وأرادت أن تحب فأحبت وجنت وفجرت أيضًا، وامرأة مطلقة تزوجت عرفيًا بشخص يرغب في تركها لأنه يريد أن يتزوج رسميًا بأخرى وهي تشعر بالتعب وتريد أن تستبقيه بأي ثمن، وهناك أيضًا من كُسَر قلبها حديثًا وتحاول أن تجد عندي كلمات لتصطبر بها على الألم والوجع وتحتاج إلى الكثير من الطاقة بينما أنا لا شيء عندي لأقدمه لأحد، وهناك هذه البيضاء الجميلة التي تحب رجل أكبر منها بنحو عشرين عامًا لأنها فوق الثلاثين وتعتقد أنها لن تجد من يتزوجها سواه بالرغم من أنه متزوج بالفعل.

كل هؤلاء النساء يأتين إلي لأنهن يحتجن إلى الدعم، وأنا لا أكترث، هذه نتاجات المجتمع فلماذا تقع مصائبه فوق رأسي؟ أنا لا أحتاج إلى ذلك لأنني أعاني من المجتمع بالفعل فلا داعي لأن يصب قذاراته عندي، وكنت منذ البداية اخترت ألا أختلط بأحد في العمل لأنني لا أريد أن أعرف شيئًا عن الآخرين.. لا أريد.. الآخرين لا يثيرون رغبتي في المساعدة، لكنهم يجعلونني أكره المجتمع أكثر وأكثر.. وأكثر.

قالت لي إحدى اللاتي أعرفهن مرة أنني أكره الأخطاء الكثيرة وأمثالي يعيشون بعذاب نادر، لا يشفيه شيء إلا أن يموتوا.. فينتقلون إلى عوالمهم الحقيقية حيث النور والخفة والهدوء الذي لا يلوثه الناس بأمراضهم، وإلى أن أنتقل إلى هذا العالم الملون الجميل الذي لا يشبه هذا المجتمع المشوه الحقير، سأظل أكتب هنا.

وفي خلال هذه الفترة من الكآبة التي تصيبني عند بداية الشتاء-بالرغم من إنني أحب الشتاء- لفت انتباهي استطلاع رأي تقوم به التايم الأمريكية لاختيار شخصية العام، وقائمة الاختيارات هذا العام مليئة بالسفاحين السياسيين والديكتاتوريين والرأسماليين، وبين كل هؤلاء المذنبين توجد فتاة واحدة صغيرة بريئة تستحق التصويت لتكون شخصية العام وهي «ملالا يوسفزاي» التي حاولت طالبان قتلها لأنها تدافع عن حقها الإنساني في التعليم والاختيار، والمثير للضحك أن هناك تصويتات جماعية تتجه نحو السياسيين والديكتاتوريين بأرقام كبيرة، بينما أن لا أحد يصوت لملالا حبًا في الإنسانية وفي حق الفتاة في الاختيار والتعليم، كل التصويتات تتجه للعصبية والقبلية والطائفية والرأسمالية السياسية الحقيرة.

وأنا اطلب منكم ان تصوتوا لملالا على هذا الرابط.. لأن ملالا فقط وأمثالها هم من يمنحون أمثالي سببًا للحياة هنا في هذا العالم، الذي ربما يكفر بالسلطة والمال ويعتنق الإنسانية.. في يوم ما..!



الخميس، 8 نوفمبر، 2012

حديث ذات.. 14




أنا عالقة في هذه الدنيا.. ولا أعرف ما أفعل بها..!!
لا أريد أن أرى أحدًا، أجلس بمعزلي هذا لأحاول اكتشاف أنواع جديدة من الموسيقى، أنواع لم تتلوث ببشاعة أحد.. ولم تقترن في ذاكرتي بالخيبة والألم والكسر.
لا أشعر برغبة في الاندماج في أفراح الآخرين، لا أريد أن أرى أفراحاً ولا أريد أن أرى أي شخص آخر غير نفسي..
صديقتي التي تختار ثوب زفافها في الغد لن أستطيع أن أذهب معها، وهربت من صديقتي التي طلبت مني أن أسمح لها بترتيب وليمة كبيرة لمجموعتنا القديمة في محافظتهم الساحلية، أنا لا أستطيع أن أمنح دفئًا لأحد.. أنا فارغة من الداخل مسحوبة الروح ولا أرى في العالم غيري.
بإمكان أي شخص أن يصفني بالذاتية؛ ولكن ما الذي سيغيره ذلك؟ حتى وإن كنت متمحورة حول ذاتي أو متكورة حول نفسي المتألمة، ما الذي سيجنيه الآخرون من الحكم المبكر أو المتأخر أو الحكم عمومًا عليّ؟ -لا شيء..! 
كل الناس لا يرون إلا أنفسهم واحتياجاتهم فما الذي سيضر هذا العالم الغارق في البشاعة والقاذورات أن أتوقف عن النظر إليه؟ – لا شيء.. لا شيء!

لأول مرة أشعر أن عدم وجود بيانو في المنزل يسبب لي أزمة، أنا عادة عندما أزور مصر في الإجازات لا ألتفت إلى عدم وجود بيانو، بل أن هذا الأمر لا يكاد يمر بخاطري، لكنني الآن أفتقد وجود البيانو.. أفتقد النوتات التي كنت أعزفها وحدي لأنني أخاف أن يخبرني أحد أنني لا أستطيع إتقانها كفاية.
لا أعرف ما الذي أستطيع إتقانه كفاية، فأنا دائمًا أول ما يلقيه الناس من سفينة حياتهم إن أرادوا تخفيف حمولتها، ولا أحد يعبأ أصلاً إن غرقت أو نجوت وكلهم يذهبون.

كنت في مجمع تجاري كبير منذ ثلاثة أيام بالقاهرة، كنت وحدي تماماً، اخترت طاولة هادئة وبعيدة في مقهى تابع لفندق ضخم وكبير، طلبت القهوة السوداء وأخذت أكتب، أتت النادلة وابتسمت ثم قالت: "لمَ أنتِ حزينة؟ الجو رائع والطقس مبهج للغاية وبإمكانك الاستمتاع بأشعة الشمس في الشرفة الواسعة المطلة على حمام السباحة.. الحياة قصيرة ، استمتعي!"
ويا ليت هذه الحياة قصيرة بالقدر الذي يجعلها تنتهي عندما نريد، ألا إنها تسهب في الطول وتمعن في العذاب أكثر، وأنا أكابد الكثير في هذا العالم، وأعاني من الآخرين الذين ينتظرون مني دائمًا أن أحقق شيئًا أو أن أخطو خطوة تستحق المراقبة أو التعنيف أو التصفيق.

وعندما تمشيت قليلاً بين المحلات الواسعة، قررت أن أدخل الحمام لأنني أريد أن أبكي، فمن غير اللائق أن تبكي امرأة في كامل أناقتها وزينتها دون سبب أمام الناس، وعندما دخلت إلى الحمام بدأت في البكاء، لم أبكِ منذ زمن.. منذ كان يجب علي أن أبكي..!
لا أعرف كيف اختزنت كل هذه الدموع طوال هذه الفترة، وعندما انتهيت من البكاء، وقفت أمام المرآة لأصلح زينتي، فعلقت إحداهن على ثوبي وقالت: " ثوبك رائع.. من الذي طرزه؟" قلت لها: "اشتريته هكذا.." قالت: "أنا أحب اللون الأسود وهذه التطريزات الدقيقة.. أنيق" قلت لها:" نعم أنا حتى عندما أحزن أحزن بأناقة.." ثم تركتها وذهبت..!
لا أريد ان أتماسك أمام أحد، أنا ضعيفة ولا أريد أن أبدو قوية، لقد سئمت ما يظنه الناس عني، وما عدت أهتم.. ما عاد يهمني أي شيء، أنا عالقة في هذا العالم، بين كل هذه الأشياء وكل هؤلاء الناس.. لقد علقت بالفعل هنا!
عالقة بين العطر والموسيقى والثوب الأسود الحريري الذي اشتريته دونما داع، عالقة بين الألم والفراغ ولا شيء يحدث، عالقة بين البقاء والسفر، عالقة بين كل الأشياء كروح لم يفتح لها ممر النور لأن لها مهمة غير منجزة..!

كلمة أخيرة:
أشكر لكم صبركم الذي ساقكم إلى القراءة حتى النهاية، ولي عندكم رجاء.. أنا لا أطيق النصح.. فلا تجعلوا حالي أسوأ بالنصح.

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

حدوتة البنت..




مرة كان في بنت ..
البنت دي ماكانتش بتعيط ف المدرسة زي الولاد التانيين، كان معاها دايما علبة ألوان وكراسة رسم في شنطتها، وكانت بتحب تشتري الصلصال وتعمل منه شجر ملون، وكانت معتقدة إن الشجر في منه ألوان في مكان ما من العالم ده، كانت بتحب الورد لونه أزرق وبنفسجي وماكانتش بتحب الورد الأحمر، كل ما كانت ترسم وردة ترسمها زرقا..
البنت دي كانت شاطرة أوي في المدرسة، كانت بتحب تتعلم، وكانت في الصيف بتحب تعمل طيارات ورق، وتقف تطيرها من بلكونة جدتها الواسعة زمان، كانت بتنزل تلعب في الجنينة وبتخاف من الفراشات، كانت بتقطف الورد البمبي وكانت من جواها بتدور على وردة زرقا.
لما كانت صغيرة، كانت جدتها بتاخدها السوق معاها بدري، وتجيب لها طعمية وعيش وتأكلها في الجنينة جنب السوق وتلاعبها شوية جنب الشجرة الكبيرة، وكانت بتستنى ده كل يوم..
وكانت كمان.. بتحب الفساتين الحمرا اللي فيها كرانيش والشرايط الحمرا، كان عندها أرنوب بمبي معاه طبلة، وكان عندها عروسة وكانت طفلة سعيدة..!
كان خالها بياخدها على العجلة يجيب لها آيس كريم.. وبسبوسة.. وكان بيقسم معاها العسلية اللي كان بيجيبها بمصروفه من المدرسة..
عمرها ما رضيت تكون التانية في الفصل، كانت دايماً الأولى، وفي سنة من السنين كانت الأولى على كل الفصول، وكانت بتتعامل مع العلم على إنه حاجة حلوة بتعملها..
البنت دي لما كبرت بقت بتلبس نضارة، وكانت لوحدها أوي.. ولما بدأت تعرف يعني إيه حب.. اتفتحت عينيها على الدرجة السفلى من المخلوقات البشرية.. 
البنت دي حظها مش حلو في أي حاجة ليها علاقة بمشاعرها.. 
البنت دي في منها نسخ كتير.. 
نفس البنت.. في مرة عملت مدونة، وقالت إنها هتكتب.. المدونة بقت معرض للجروح.. البنت بقت بتصور الجروح بالكلام وتعيط وهي بتكتب..!
كل مرة بيدخل حياتها حد كانت بتحبه بربع قلب.. كانت بتخاف على الباقي من قلبها.. لحد ما في مرة.. حبت بقلبها كله..!
كأنها بتلعب قمار، حطت قلبها تراهن بيه على الترابيزة.. وخسرت..!
وكل يوم باسمع نفس الحكاية، حدوتة البنت اللي فجأة وقعت من فوق السحاب واتكسرت روحها، ولما جت تلملم نفسها ايدها اتجرحت، نفس البنت اللي بتنزف عصير ألوان كوكتيل شوق مع حب وأحلام.. ولما بتحط إيدها على قلبها بتحس إنه مش موجود.. 
نفس البنت عمرها عدى.. وماخدتش غير شوية هلاهيل.. بيسموها ذكريات.. وكل ما تكبر بتبقى الدنيا أوحش.. مهما حاولت تاخدها بالحضن.. بتلاقي صدرها اتملى شوك.. وإبر!
البنت دي لما بتحاول تنام بتشوف نفسها وهي صغيرة وبتلعب بطيارات الورق.. وبعدين وشها بيتحرق.. وبتقعد تعيط وتجري.. ومحدش بيسمعها!!

نفس البنت بتبدل مخدتها كل يوم الصبح وتحطها في الشمس عشان مامتها ماتاخدش بالها من دموع الليلة اللي فاتت!!

وتوتة توتة .. فرغت الحدوتة!

الثلاثاء، 30 أكتوبر، 2012

حديث ذات.. 13



إنها الإجازة السنوية إذن!!
حاربت حروبًا ضروس من أجل هذه الإجازة التي حصلت عليها ولا أعرف ماذا سأفعل بها حتى الآن، مضى منها أسبوع كامل وأنا ألعب ألعاب المغامرات الإليكترونية فأبحث عن مفاتيح وجثث وجماجم وما إلى ذلك طول الوقت، ومعي رواية البصيرة لساراماجو التي لم أنتهي منها بعد واليوم خرجت لأمشي مع والدي قليلاً على «الكورنيش» حيث الأطفال وبائعي البطاطا والحلبسة والترمس، ثم عدت إلى المنزل لأشاهد فيلمًا كوميديًا مكررًا مع أسرتي، ثم انسحبت لمحادثة إليكترونية مع صديقة، ثم قررت الآن فجأة أن أكتب شيئًا لا أعرف ما هو، لكنني أخذت علبة «كوكاكولا» من الثلاجة وفتحتها ثم جلست أكتب، ولمن لا يعرفني جيدًا أقول إنني لا أتناول المشروبات الغازية أبدًا ولا أحبها، وهذا خطبٌ جلل أن أشربها بنفسي دون ضغط من أحد.

لا أريد أن يرتبط القدوم إلى الوطن بالخذلان عندي، ولا أريد أن يرتبط العيد بالألم، لكن الأحداث المؤلمة عادة تختار أوقاتًا مميزة لتخريبها ولا أفهم ما هي ميكانيكية حدوث ذلك، لكن هذا يحدث معي باستمرار، فاقترحت إحداهن علي أنني ربما مسحورة أو معمول لي «عمل» بخراب الأشياء التي أحبها، وأنني ربما أحتاج إلى معالج أو ما شابه لفك السحر، ثم قالت أنني ربما بي «عين» لأن الخراب الذي يلم بالناس والعلاقات والأشياء التي أهتم بها وأحبها غير طبيعي..!!
والله ما تخيلت أن يقترح علي أحد مثل هذا الاقتراح، أعرف أنني ملعونة فيما يتعلق بأشياء كثيرة، وسيئة الحظ عادة فيمن أقابل لدرجة إنني صرت أشك في وجود البشر الأسوياء أصلاً، وأنني أرى السيكوباتيين يتجولون على البسيطة طوال الوقت وأرى النرجسيين يمشون بالشوارع بشكل عادي جدًا، وتذكرت حينها الطفل في فيلم الحاسة السادسة إذ يقول: «أنا أرى أمواتاً.. طوال الوقت ولا يعرفون أنهم أموات » وأنا أيضًا أرى سيكوباتيين ونرجسيين طوال الوقت؛ وهم لا يعرفون أنهم مرضى.

للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا يضايقني البدر الذي يعكس نوره على شرفة غرفتي، اكتشفت اليوم أنني لا أحب القمر ولا أطيقه، بل أنني أهرب من رفع رأسي إلى السماء لئلا أراه، لكنه موجود بالأعلى والناس يحبونه، ولأن كل الناس يحبونه أعتقد أنه لن تضره كراهيتي..
فأيها القمر البدر السخيف المستدير المنير الذي يعكس نوره على شرفتي.. أنا أكرهك..!
من أكثر الأشياء التي كنت أحب رؤيتها في الكورنيش هو الحب المتجول على الأرصفة، هذا الحب المجاني وكل العشاق والمخطوبين والمتزوجين حديثًا حين يسيرون بأيدٍ متشابكة خشية أن تتسرب منها أحلامهم، كنت أحب أن أرى ذلك ولكنه ساهم اليوم في زيادة شعوري بالخذلان والفراغ، ولا أفهم لماذا يمعن الوطن في تعذيبي بالرغم من أني مواطنة صالحة أدفع الضرائب ورسوم التصاريح كلها بانتظام ولا أكسر القوانين ولا أرتكب المخالفات وأدعم الصناعات المحلية الرديئة!!
فـ ليه كده يا وطن؟؟
لدي مواعيد مقابلات مؤجلة مع أصدقاء عديدين، ومواعيد للقهوة والحكي مع كثيرات، لكنني أخشى أنني لن أستطيع الوفاء بالتزامي هذا، أنا أحتاج إلى طاقة للتغلب على الخذلان والفراغ، والسيكوباتيين والنرجسيين.
أعتقد أني يجب أن أغلق هذه الشرفة التي تسمح لنور القمر بالدخول إلى هنا، لا أريده أن ينعكس على مرآتي، ويجب أن أذهب للنوم.. 
تصبحوا على خير..
 P.S : اللهم عليك بالسايكوباتيين ومن والاهم!!

السبت، 13 أكتوبر، 2012

حديث ذات.. 12




السبت..
أول يوم في الأسبوع يسير بطيئًا للغاية، كل شيء يبدو بطيئًا، السيارات والناس والوقت وركوة القهوة التي تغلي بلا انقطاع على الموقد في المطبخ، فكل المحيطين بي في المكاتب المجاورة نصف نائمين، ولا أعرف كيف قادوا كل تلك المسافة من بيوتهم إلى موقع هذا المشروع في قلب الصحراء وهم يكادون لا يفتحون عيونهم إلا بالقدر الذي يقيهم الاصطدام بالآخرين في ممرات المكاتب.
بالأمس كنت أتفقد بريدي الإليكتروني ثم قررت أن أقوم بعملية فرز سريعة وأرشفة للرسائل التي وردتني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فانتبهت إلى نسخة إليكترونية من كتاب أرسلته إليّ إحدى صديقاتي لأنها ظنت أن عليّ أن أقرأه، ظللت أنظر إلى الكتاب ذو الغلاف الملون، ولم أرد حتى أن أتصفحه، الكتاب يتحدث عن كيفية التعامل مع الرجل وكيفية الاحتفاظ به.
منذ سنوات كثيرة، كانت الناس أكثر استقرارًا وهي بمعزل عن مثل هذه الكتب، التي تضع عوائق وقواعد وقوانين ومعادلات للتعامل مع شخص هو في الأصل جزء منك، تستند عليه روحك، وبالمناسبة فإن كتب العلاقات هذه تبيع مبيعات خيالية، وهي تجارية الغرض جدًا، ولم أقرأ منها سوى كتابًا واحدًا منذ أكثر من سبعة سنوات، كان ذلك الكتاب الذي يقول أن الرجل من المريخ والمرأة من الزهرة وكليهما يتحدثان لغتين مختلفتين، وقد بلغ الأمر من التعقيد مداه عندما وصلت إلى منتصف الكتاب ولم أستطع أن أكمله، الحب لا يكون بالحسابات، كل هذه الكتب خاطئة، كل هذه القوانين فاشلة، والعاشق لا حاجة له بمثل هذه التعقيدات الكثيرة.
لا أفهم إلى الآن ما هو الشيء الذي يجعلك تصدق شخصًا غريبًا، لا تعرفه ولا يعرفك ولا يعرف معشوقك الذي تسعى إليه بقلبك، مع إن الأمر كله أسهل من ذلك-وأتفهم أن سيكولوجية المجتمعات العربية معقدة إلى حدٍ ما- لأنك لا تحتاج سوى أن تكون نفسك، أن تقبل الآخر فتكون لينًا وصبورًا وصادقًا، ولك مثل الذي عليك من الصبر والتقبل والتفهم، ولا حاجة لك بالكثير من الحسابات التي تفسد الأمر على الشريكين وتجعله أكثر تعقيدًا في مجتمعات تعاني من تخلف في ثقافة المشاعر بشكل عام يدعو إلى الخزي. نحن نعيش في مجتمعات لا تفرق بين الحب والإعجاب والشهوة وتخلط بينهم بشكل سافر ومقيت.
الكتاب يفترض نمطًا شخصيًا واحدًا للفرد محل الدراسة، والله لم يخلقنا لنصير نسخًا متشابهة، نقول نفس الكلام ونشعر بنفس الأشياء ونتحدث بنفس الطريقة ونحب بنفس الطريقة، وهذه فرضية سخيفة مثالية وليست صحيحة، أنت لا تحتاج إلى كتيب إرشادات أو «كتالوج» لتحب شريكك، هو لا يحتاج منك سوى الرحمة والود والتفهم والصدق.
انتبهت الآن إلى أن كوب القهوة فارغ، ويجب علي أن أقوم بإعداد قهوتي وسأرجئ ذلك إلى أن أنتهي من الكتابة، أنا أشتاق إلى الكتابة وأحبها، وأكره أن أكتب في مكتبي لكن لا شيء لدي لأفعله يوم السبت الذي يمر هادئًا خاليًا من المنغصات العملية البغيضة.
و في مثل هذا الوقت حين أكون وحدي أستحضر ضحكاته، أقول له دائمًا.. «ضحكتك أجمل ما خلق الله من ظواهر طبيعية..!» لأنه إن ضحك أشرق عالمي بنور خفيف مطمئن لا يشبه البرق ولا الشمس، لكنه نور مختلف، يضيئ قناديل خفيفة في سراديب القلب الذي هو نجمه المغروس كاليقين، وانطلقت بداخلي فراشات لها أجنحة زرقاء ووردية لتحط فوق زهور صغيرة أينعت كياسمينات فجائية في جانب ما من نفسي!!
يجب علي الآن أن أقوم لملء كوب القهوة، ثم سأواصل قراءة كتاب أحضرته معي لأنني أمضي الوقت يوم السبت عادة أقرأ، أعرف أن من يتابعون صفحتي منكم يعرفون الكثير «عنه» ويرونه مشعًا بجلال وهَيْبة وسط الكلمات، ربما سأحكي لكم عنه لاحقًا، حين تسعفني الأبجدية القاصرة والكلمات المحدودة التي أصفها في سطور فلا تكفي ولا تفي.

الثلاثاء، 25 سبتمبر، 2012

عن الفتى الذي يحب العطور..




منذ خمسة وعشرين عاما، كنت في الصف الثاني الابتدائي، أذكر تماما الحصة الثالثة حين كنت أهم بقراءة درس اللغة الإنجليزية بالفصل وأتت مدرسة أخرى اصطحبتني إلى وكيلة المدرسة وأخبرتني بأن أبي في انتظاري وأنه يجب علي أن آخذ حقيبتي الوردية وكتبي كلها، وأتذكر الحقيبة الوردية التي بها جيوب كثيرة من القماش كالفتيات الكبيرات، أنا في السابعة، غاضبة لأنني لن أتمكن من إكمال اليوم الدراسي لسبب لا أعرفه، ولن أحصل على نجمة على دفتري لأنني لم أقرأ الدرس حين حان دوري؛ ولكنني ذهبت إلى مكتب الوكيلة بحقيبتي.
أمسك أبي بيدي وسرت معه عبر ممرات المدرسة وحتى رياض الأطفال؛ حيث فصل أختي الصغرى، استأذن أبي وأخذها من فصلها ثم ركبنا معه في سيارته الـ«شيفروليه» النبيذية الكبيرة، ونحن في الطريق أخبرنا أن أمي بالمستشفى، وأنها ستلد اليوم وسيصبح لنا أخٌ أو أختٌ صغيرة، ولذلك قام باصطحابنا إلى المنزل لأننا لن نجد أحدًا باستقبالنا حين نعود من المدرسة، وعليه؛ فإننا سنبقى عند جارتنا «أمل» إلى أن يعود هو من العمل لأن أمي ستبيت بالمستشفى.
وبعد قليل اتصل بنا المستشفى وأخبر أبي الذي تلقى المكالمة أنه رزق بطفل صحيح جميل، فابتهجتُ وأختي وأردت أن يكون اسمه «لؤي»، لكنهم اختاروا أن يكون اسمه «أحمد»، وكان هذا هو اسم صديقي المفضل وقتها – الذي صار طبيبًا الآن – فوافقت وأعجبني ذلك.
في المساء، لم يسمحوا لنا بزيارة أمي، لأن الزيارة محظورة على الأطفال دون الثانية عشرة، فجلست مع أختي باستقبال المستشفى ونحن نسأل بعضنا عن شكل «النونو» الجديد، كل ما نعرفه هو أنه صغير للغاية وأطرافه دقيقة ورائحته ستكون جميلة وسيكون مسموحًا لنا بحمله واللعب معه.
بعد ثلاثة أيام قضيناها بين شقتنا، مع أبي، وشقة الخالة «أمل»، عدتُ من المدرسة فوجدت أمي في فراشها مع مولودها الجديد، سلمتُ على أمي ونظرتُ إلى هذا المخلوق الناعم الصغير ذي الشعر الأسود والبشرة الحمراء، كان له كفان مغلقتان وأطراف صغيرة للغاية وعينان واسعتان، وفم صغير وأنف رائع صغير، قبلت جبينه وخفتُ أن أحمله، لأنه صغير جدًا وطري جدًا..!
كان لهذا الطفل الصغير وهو في الثالثة من عمره سيارة حمراء ببدالات داخلية، وكان يسميها «بومبو»، وكنا نلصق له عليها نجومًا ذهبية، ونراه يلعب بها وهو يرتدي جلبابا مخططًا صغيرًا، وكان عنده بنطلون قصير من الجينز وقميص أصفر.. كان يضحك كثيرًا..!!
عندما صار في الخامسة والتحق بالمدرسة، كان يحب اللون الأصفر؛ لأنه اللون الوحيد في علبة ألوانه الذي يستغرق انتهاء الحبر منه وقتًا طويلاً، وكان عنده قفازات شتوية صفراء..!
في مراهقته، كان مشجعًا ضاريًا وشرسًا للنادي الأهلي، لدرجة أن غرفته بها علم كبير للأهلي، ومزدحمة بالمجلات الرياضية، وفي نفس الوقت يشتري مجلة «ماجد» ويبقيها في غرفته، وإلى الآن يرفض التخلص من المجلات الكثيرة التي يخزنها في الرف الأخير من خزانته.
في كل مرة أهديته شيئًا احتفظ بالغلاف والعلبة في أحد أدراجه، عاشق للعطور، يفضل «إيف سان لوران»، يبقي زجاجاتها في غرفته أيضًا في أحد رفوف خزانته، ولديه علم لمصر من الحجم الكبير جدًا في درجٍ ما..!!
كنت أساعده في تنسيق رغباته في دخول الجامعة عندما أنهى دراسته الثانوية، وكنا نضحك كثيرًا لأننا ما عدنا نجد كليات نملأ بها الأربعين رغبة، لكننا ملأناها كلها معًا، وقدمناها والتحق بكلية الهندسة، وسار على خطاي فاختار التشييد والبناء كفرع تخصص، وتخرج في الكلية فصار مهندسًا، تخصص في إدارة المشاريع؛ كما فعلت، ومنذ شهور قليلة ارتدى خاتم خطبة فضيًا في يده اليمنى، وكلما رأيت صوره في حفل خطبته وهو مكتمل الأناقة، بالبدلة السوداء وربطة العنق والقميص، بجوار خطيبته الجميلة، أضحك كثيرًا؛ لأنني أتذكر بنطلونه القصير وقفازاته الصفراء ومعاركه المدرسية وحذاءه المضيء وأغنيات محمد منير وعمرو دياب التي تنبعث من حاسوبه أو غرفته طوال الوقت.
هذا الرضيع الذي صار طفلاً ثم مراهقًا ثم رجلاً، يتم غدًا عامه الخامس والعشرين، ربع قرن وأنا أراقبه بعين الأم أحيانًا والأخت أحيانًا، والصديقة أيضًا، فعيد ميلاد سعيد.. يا أحمد!!

الأحد، 19 أغسطس، 2012

عن العيد .. وكِدَهْ



صبيحة العيد..
بالأمس لم أستطع أن أعايد احدًا من أصدقائي ولا منكم إلا قليلين..
هناك أشياء كثيرة معلقة وأمور كثيرة مختلطة تحتاج إلى الكثير من الوقت لفض اشتباكها ولفصلها عن بعضها، كأن حياتي كلها صارت عدة كرات من خيوط الصوف الملونة عقدها ببعضها طفل صغير لا يعي ما يفعله!!

أجمل ما في العيد فرحة الصغار، في ليلة أمس رأيت الصغار يلعبون خارج شقتنا، أبناء أختي وأصدقائهم، يتناولون كعك العيد من يد أمي ويركضون في بهجة في الرواق الواسع بين الشقق، وانضم إليهم أطفال آخرون وأمي الحبيبة توزع ابتسامتها الحنون وكلماتها الحلوة وكعكاتها على الصغار، ثم صار أخي يداعب الصغار الذين يروحون و يجيئون فرحين طوال الوقت بأشيائهم البسيطة، ألعابهم الزهيدة الثمن وملابسهم الجديدة.
و أعطى أبي الصغار حبات من الشيكولاتة الملونة، وهم يبتسمون له شاكرين ثم يعاودون اللعب، وأنا أراقب كل هذا في صمت، جالسة في الركن القصي الذي أجلس فيه عادة بعباءتي الملونة وحجابي الطويل.

لاحظتُ أن أمي الحبيبة لم توقد بخورًا هذا العام، وانتبهت إلى ذلك قبل أن يهدني التعب في الصباح الباكر، لكنني لم أفكر كثيرًا وارتميت على فراشي منهكة القوى، لكن الجزء الجيد في هذا الأمر هو أنني أتضايق من رائحة البخور لأن صدري حساس للأبخرة والأدخنة، فالحمدلله إذن!

لدي موعدٌ اليوم للخروج مع أختي وأبنائها وأخي ووالديَّ بالمساء، ولا أعرف إن كنتُ سأستطيع أن أخرج معهم لأنني أكره الزحام والأصوات العالية، وإنني إذا تعرضت إلى جوٍ شديد الصخب أصير غاضبة ومُتْعَبة. أختي لديها الكثير من الخطط فهي تريد أن تأخذني إلى التسوق وتريد أن نذهب إلى مقهاي المفضل لنتحدث لأنها لا تعرف عني شيئًا منذ زمن، أعرف أننا نرى بعضنا مرتين أو ثلاثة أسبوعيًا لكننا لا نجلس للحديث بحميمية كما كنا نفعل في الماضي، عندما كنا معًا ننام في غرفة واحدة ونتقاسم خزانة ملابس واحدة وطاولة زينة واحدة.

هاتفي الجوال ينبه باستلام رسائل التهنئة القصيرة منذ الأمس، ولأنني فقدت أرقام كثيرين بعدما سُرِقَ جوالي القديم وأنا لا أعرف نسبة كبيرة من الذين يرسلون إلي التهاني، فأصبحت أرد عليها بكلمات وجمل قصيرة روتينية رسمية بحتة!!
لازلتُ أتلقى العيدية حتى وأنا في الثانية و الثلاثين، وهذا شيءٌ يدعو للبهجة كما ذكرتني إحدى اللاتي أعرفهن، وقالت لي:"هناك من لا يزال يراكِ طفلة.. فابتهجي!"

فقط سأتمنى أن يأتي العيد القادم بفرح أكبر، وبشيء أجمل، وبعيدية أحلى..!!!
نهايته يعني .. عيدكم سعيد.

الخميس، 2 أغسطس، 2012

حَديثُ ذاتْ.. 10




قبل أن تمد عينيك لقراءة هذا الحديث؛ يجب أن تعلم أنه ليس جميلاً وليس سعيدًا ولا يتحدث عن الحب أو الشوق، ولا علاقة له بالأمل والغد وكل هذه الأشياء الملونة، ولا يمثل ابتزازًا عاطفيًا من أي نوع كما سيخطر على بال البعض، وليس شحاذة عاطفية كما سيظن آخرون، إنما هو حديث ذات أردت أن أكتب فيقرأ عابر يشعر بالقتامة مثلي فيعرف أنه ليس وحيدًا، لذلك فإنني أحذرك يا من ستقرأ هذا الكلام، إن كنت عاشقًا أو متفائلاً أو سعيدًا لأي سبب حتى لو مؤقت وأطلب منك أن تغلق هذه الصفحة وأن تفعل شيئًا أكثر إبهاجًا من قراءة ما في السطور التالية.
وإن كنت تنوي أن تنصحني، أنا كبرتُ على النُصح، فاجعل نصحك لنفسك يا صديقي، وإن كنت تظنني شديدة التشاؤم فأنا أقول لك: تعال وعش قليلًا مما أكابد وبعدها ستعرف السر كله!!
أما إن كنت في مثل حالي فمرحبًا بك، ولعلنا في مرحلة ما سنبدأ في اتخاذ الخطوات اللازمة لتأسيس نقابة تمثلنا، لنطالب بحقوقنا التي تبدو بديهية عند هؤلاء السعداء المبتسمين.

في أول أيام رمضان المبارك بلغت الثانية والثلاثين، لا أعرف لماذا انزعجت من الرقم، أنا في الثانية و الثلاثين، كبيرة بما يكفي لأعرف إلى أين سأذهب، لم أحصل على قصيدة في يوم ميلادي ومضت ليلة ميلادي كأسوأ ما يمكن أن تكونه ليلة ميلاد، ولكنني حصلت على علاقة مفاتيح من الفضة والكريستال والذهب الأبيض من أمي، وزجاجة عطر فضية من أخي ، ومبلغ من المال يكفي لشراء الكثير من الكتب من أبي، أما أختي، فلازالت تبحث عن شيء ليس عندي منه!!
واكتشفت ماهيتي، اكتشفت نفسي ، أنا لست سوى بلدة صغيرة مهملة وحزينة، ليس فيها أي شيء سوى أنها محطة قطارات، تنظر كل ليلة إلى أرصفتها اليتيمة التي لا يغمرها نور قمر، ولا يصلها من الشمس إلا الحرارة والجفاف والعطش، وتنتظر اليوم التالي بالكثير من الصبر، بالكثير من الدعاء.. عل يزورها المطر!!
بلدة صغيرة مملة لا يسكنها أحد، لم يفكر أحد في أن يعيش فيها، لم يفكر أحدٌ في تأثيثها من الداخل، لم يفكر أحدٌ في أي شيء، الناس يمرون، مسافرون في حيواتهم، يستظلون بخمائل روحها الكثيفة ثم يرحلون, وهي تتمنى زينة العيد، ترغب في أن يلعب في طرقاتها الأطفال بالبالونات الزهرية والزرقاء، وترغب في أشجار الميلاد الملونة المزينة بالحب، وترغب في صلوات صادقة بذلك المعبد القديم الملقى في مكان ما منها، وترغب أن يقيم العشاق زفافاتهم فيها، ترغب في أن ينثر بابا نويل السكاكر على أرضها وترغب في أشياء كثيرة، ولكنها مملة.. مملة.. مملة.. جدًا !!

نظرتُ إلى صفحة المتابعين بالمدونة وتفقدتُ الرسائل فيها، فوجدت رسالة مكررة من شخص يسمي نفسه معالجًا روحيًا، يعرض علي أن يخلصني مما أنا فيه، بالمجان ودون مقابل، ترك لي هاتفه وعنوانه وبريده الإليكتروني لأتصل به، ليرسل لي عدة طرقٍ للعلاج تتناسب وحالتي، الشيء المخجل في هذا الأمر كله؛ هو أنني صرت أثير شفقة الدجالين!!
حتى الدجالين، الذين يمارسون النصب على الآخرين، صاروا يشعرون بالشفقة عليّ، وصاروا يعرضون العلاج علي بالدجل، فهل أبدو سقيمة إلى هذه الدرجة ..!! هل أنا سقيمة حد الشفقة؟؟ يا الله .. يا الله .. ما أرحمك وما أقسى عبيدك!!

من الأمور المفزعة أيضًا التي منعتني من الكتابة لفترة طويلة؛ الفتيات اللاتي يعتقدن أنني قدوة، وأنني رائعة، وأنني .. وأنني.. وأنني .. وأشياء كثيرة!!
إن كان هناك من يريد أن يقتدي بي، فله أن يقتدي بي في وظيفتي، أنا متفوقة فيها، أحصل على راتب جيد، وحصلت على لقب سينيور منذ أيام، و أترقى فيها بسهولة، أنا منظمة ومرتبة وذكية في كل ما يتعلق بالعمل، وأستطيع إدارة مشاريع تزيد قيمتها عن سبعين مليون دولارًا أمريكيًا دون خسارة، ولا أستطيع أن أدير حياتي بمثل هذه المهارة!!
كانت قد أخبرتني إحداهن، أنها تتفاءل بكل ما أكتب من فرح، وتبتئس إذا وجدت أنني أكتب عن الألم، و هذا شيء لا أريده ولا يعجبني، فلا أريد أن يبتلي أحد نفسه بما فيّ، ولا أريد أن يرى أحدٌ نفسه فيّ، أنتم لا تحتاجون إلى هذا القدر من التشويه، لا تحتاجون إلى المزيد من الألم، لا تحتاجون إلى التشتت والبعثرة والنزف، هذه الأشياء خلقت لناسها، وأنا منهم، وأريدكم أن تكونوا أسعد حالاً وأفضل حظاً مني، فلا تفكروا مثلي فتشقوا على أنفسكم دون داع، غير أنني أدعو الله في كل ليلة أن يجنب الآخرين ما يلم بي من وجع، فلا تسعوا إلى ما لا قبل لكم به!!

أعرف شخصًا ما سيفرح أنني متعبة ومتألمة، و سيظن بعقله المريض أن الله يقتص له مني، لأنني مفترية- نعم مفترية- رفضت أن أبادله مشاعر لا أحتاج إليها لأنني أكره أن يختارني أحدهم لخيانة زوجته وأبنائه الثلاثة..!!

نصيحة أخيرة لكل من يقرأ هذا الكلام واستطاع أن يصبر عليّ حتى انتهيت منه، حاكم الناس على أخطائهم، إجلدهم، كن أكثر ذكاءً مني، لا تسامح أحدًا على ذنب ارتكبه في حقك، اجعلهم يخشون غضبك وتقلباتك، لأنك إن لم تفعل، ستكون محطة قطارات مملة وأنت في الثانية والثلاثين..!!

إنتهى ..!



الخميس، 12 يوليو، 2012

انعكاسات (1) .. طوق الياسمين





«لا أجد شيئًا واحدًا يكرهني فيك، بل كل شيء يقودني نحوك..».
هذا الصباح البغيض..
صباح يخلو من آثار شفتيه على جسدي ومن بقايا عطره فوق قميصي، وصباح ليس فيه هو.. لا أريده، وعمر ليس فيه هو.. لا أحتاج إليه في شيء!
وفي مكان ما من نفسي، يخطو الحنين بثقل ونقر خطواته المؤلم ينتشر كموجات دائرية بألف مركز.. وتوجد بوصلة مثبّتة على معصم الروح كساعة، تشير إليه طوال الوقت كـ«الشمال» وكل نبضاتي تمر بها، كيف يفعل أحدهم كل هذا.. وحده؟!
أنا لست حزينة، أنا فقط حادثت جدتي الميتة أمس وأخبرتها أنني أريدها أن تأخذني معها.. أريد أن أتحول إلى روح حتى أحصل على حرية العناية به دون أن يراني، وأن أحميه دون أن يشعر بذلك، وأن أخبئ الشيكولاتة في درج مكتبه وبين قمصانه، أريد أن أنظف غرفته التي يمنعه الكسل من تنظيفها، أريد أن أرتب مكتبته؛ سأصنف الكتب وأضعها على رفوف متوازية وسأضع على كل رف فهرسًا بأسماء الكتب التي يحتويها.
جدتي الحبيبة.. نسيت أن أخبرك شيئًا.. هذا هو شرطي الوحيد للذهاب إلى حيث أنت إن أردت أن تأخذيني.. أن تبقى روحي معه.


«يحدث للواحد من كثرة حبه أن يتحول إلى دكتاتور صغير في أشواقه، ويعمى عن التصديق بأن للآخرين كذلك قلبًا مثلنا»
أي «آخرين» لديهم قلب مثلنا؟؟
رأيت كابوسًا مفجعًا.. جرجرتني فيه امرأة بيضاء بملامح ميتة على حافة جبل وأنا مكبلة وتكاد تدفعني فأستيقظ.. وأبكي!!
أعرف كثيرين يمكن أن نطلق عليهم «آخرين» لكن كلمة «آخرين» لا تجعلهم من معتنقي الإنسانية.. الإنسانية مذهب منبوذ وأتباعه قلائل، دائمًا يترصدهم هؤلاء «الآخرون» وينتظرونهم في كل مكان، وراء الأشجار وفي الشوارع ويراقبونهم من النوافذ؛ فالمؤمنون بالإنسانية يكفر بهم «الآخرون».. ويبيحون دماء قلوبهم.. هؤلاء «الآخرون» لا يعرفون شيئًا عن المعنى الحقيقي لـ«القلوب» التي ابتلي بها أتباع مذهب الإنسانية.. ولكن.. من يهتم؟! لا أحد!!
لا أحد يفهم معنى أن تحمل قلبًا له وظائف أخرى غير ضخ الدماء، لا أحد يتخيل ذلك بشكل كامل، وأتباع مذهب الإنسانية يسيرون وحدهم فلا أحد يتحمل صدقهم أو براءتهم أو نقاءهم، وتلك هي لعنته، أن تكون وحيدًا.. درويشاً للإنسانية..!!


«عندما نكتب نتقاسم مع الناس بعض أوهامنا وهزائمنا الصغيرة».
أوهامي..!!
لا أعرف ماذا أفعل بها!
 فأوهامي/ أحلامي.. أحاول أن أعلقها على حبال غسيل قريبة من الأرض حتى يسرقها لص في يوم ما، لكن أي لص خائب سيسرق هذه الخيالات المهترئة التي لم تكن لها قيمة أبدًا.. حتى لصاحبتها!!
أما عن هزائمي.. أنا أحمل تاريخا حافلا بالهزائم، أنا لا أعرف كيف أخوض المعارك، لم يسلحني أحد، ولم أفهم معنى أن الحياة معركة، لكنني عندما بدأت أرى جثث الآمال تتساقط من نفوس أصحابها كل يوم؛ أدركت أنه لربما هي معركة، ولكنني لا أعرف كيف أختار معاركي، هناك دائمًا من يفرض علي أرضا وشرطا وسلاحا للقتال ربما لا أملكه، وأحياناً أصير في معركة مع طرف غير مرئي، أقوى مني وأوسع حيلة، ويتم الزج بي بقسوة في كل معركة، وأدرك متأخرًا أن الموسيقى والزهور والكتابة والشعر والحب ليست أسلحة ملائمة، إنما الناس يستعملون أشياء أكثر قسوة ككسر القلوب والحرمان من الحاجات والعاطفة..!!
أرى الحياة دائمًا رحلة، نسير فيها محملين بمبادئنا وخبراتنا والطريق طويل وخريطته غير واضحة، نمد أصابعنا إلى السماء ليلاً فنرسم حول النجوم أحلامًا وحكايا، ونقوم صباحا لنحاول تتبع آثارها في السحب، وننتظر سقوط المطر لنملأ راحاتنا ونشرب، ونأكل من ثمار الحب اليانعة الدانية القريبة من أيدينا المتعبة، نرتاح في ظل خمائل وننضج مع الوقت، ونقابل «آخرين» ربما تفترق طرقهم عن طريقنا فيما بعد، وربما يسيرون متوازيين في طُرُقٍ أخرى مجاورة، ونتسلق الجبال غير آبهين بقسوة الصخور ونسبح في الأنهار غير عابئين بالتماسيح فيها.. هذه هي الحياة التي أعرفها وهي لا يوجد بها معارك.. فمن هذا الذي اخترع معارك الحياة؟! عليه من الله ما يستحق!!



«ماذا فعلتَ لي؟ ما سرك؟ ماذا أكلتُ من يدك أو من جسدك أو من روحك؟
أشتهيك إذ أتركك وأخاف عليكَ من حماقاتي وارتباكاتي وأنا معك».

هو موجود في كل شيء، هو روح اللون والطعم والرائحة، يخرج من جنباتي كعطر، ويخرج اسمه من شفتي وسط الكلام فيترك مكانه على لساني حلاوة.. قالت لي اليوم صديقتي: «أنتِ مشبعة به، هل لاحظت كيف تنطقين اسمه؟؟».
قلت لها: «كيف؟؟».
قالت: «تشهقين في كل حروفه من فرط الشغف..!!».
وقبل ذلك.. منذ شهرين.. قالت:
«أبلغيه أنني صرتُ أراه فيك، شغفك به يملأ روحك حتى حوافها!! قولي له هنيئًا لك بعاشقة صادقة في زمن شحت فيه العواطف والمعجزات!!
أبلغيه أن صفاءه وغضبه وحبه واضطراباته تنعكس على صفحة عينيكِ، خبريه أنك تحبينه كل يومٍ أكثر، وأن الشوق يلمع بداخلك في كل مرة ذكرتيه فيها.
قولي له إنك تتعمدين النطق باسمه طوال الوقت حتى في مواضيع لا علاقة له بها، هذا حجم سيطرته عليكِ، هو في كل جانب من روحك وحتى أفكارك، أنت تحبينه!!».
نعم.. أحبه!
_________________________
*الاقتباسات.. من رواية طوق الياسمين - لواسيني الأعرج





الجمعة، 22 يونيو، 2012

حَــديثُ ذاتْ.. 9







انتبهت إلى أن اليوم الثاني من حملة التدوين انتهى دون أن أكتب شيئًا، فابتسمت!!
أحيانًا ما تمثل الكتابة مقاطعة لأحلامي، على الرغم من أنها أكثر ما يقربني منها، ربما لأنها أكثر واقعية من ذلك الجزء الخفي بنفسي الذي أحاول أن أخفيه حتى عن الكتابة، ولكنني سأتحدث.. ربما سأفعل!!
فنجان صغير من قهوة شقراء تركية بالبندق والحليب يكاد يتحرك من فرط ملله من انتظار فكرتي الملائمة للكتابة، لكنني لا أعيره اهتماماً لأنه صار باردًا، بينما أمارس الحلم بشكل داخلي بحت لا يستطيع أحدٌ ملاحظته لأنه من الصعب أن يتخيل أحد أن تلك الجالسة في ركن المنزل صامتة تماماً تنظر إلى شاشة عليها ورقة بيضاء بوجه خالٍ من التعبيرات تماماً تحلم بشخصٍ/ شيءٍ ما!

أحب أن أكتب صباح الجمعة حيث الأمور كلها هادئة؛ فلا مكالمات هاتفية غير متوقعة ولا زيارات صباحية مبكرة لأن الجميع مشغولون وكلٌ له خطته، أما أنا فلا خطط لدي ولكنني أتوقع أن تأتي ابنة شقيقتي في وقت ما للعب فوق أصابع البيانو، أو ربما ستأتي لتطلب مني أن أطلي لها أظافرها المنمنمة الصغيرة باللون الأحمر أو الوردي.. حسب الفستان الذي سترتديه في «فسحتها» الأسبوعية مساءً.. ولربما تطلب بضع رشات من العطر «البمبي».

وفي هذا الركن الشمال الشرقي من صالة شقتنا؛ حيث تقع ورائي بانوراما زجاجية كبيرة تكشف الشارع، صرت أسترجع صوته، وصرتُ أفكر إن كان بإمكاني تعبئة صوته في كبسولات صغيرة ملونة، تمنح الحنان والدفء والحب طول الساعات التي لا أستطيع الحصول عليه فيها، لا شعور يشبه ما يفعله بي صوته، لا أعرف كيف يتحول صوته إلى «حضن» أرى فيه أحلامًا مجسدة، أحلامًا نحيتها وغطيتها وغالبتها لوقتٍ طويل، أريد أن أفعل ذلك بضحكاته أيضًا وبأنفاسه الهادئة، سأضع كل هذه الكبسولات في علبة كريستال لدي منذ وقت طويل ولم أعرف ماذا أفعل بها.

قمت في الصباح الباكر فحملت السجاد خارج غرفتي، وسكبت الماء على البلاطات الباردة، جربتُ أن أرقص فوقها مغمضة العينين لكنني لم أستطع لأنني كسرت قدماي الاثنتان قبل ذلك، فصرتُ أخاف الانزلاق جدًا، نظفت الغرفة، فتحت الشباك الوحيد بها، شاهدت النور ينعكس فوق البلاطات اللامعة النظيفة، وكانت أنغام تغني حينها: 
«مانت الدنيا وأحلى ما فيها
طيبة قلبك بتحليها
إنت الفرحة اللي باعيش بيها عمري معاك
ياه ياه ياللي عيونك دول حكاياتي
خدني مني يا كل حياتي
خدني أعيشلك أجمل آتي.. عمري معاك»..

مشيت حافية فوق البلاطات السكرية لأتحقق من جفافها، الآن أستطيع أن أقف على أطراف أصابعي وأن أمد يدي إلى الأمام وأن أمشي بضع خطوات هكذا، حرارة ضوء الشمس على صدري، البلاطات الباردة تحت قدمي وعطر الورد يملأ الجو بينما أنغام ما زالت تغني، مشيتُ ثم شعرت بيديه تمتدان إلى يدي ليسحبني نحوه تدريجيًا وأنا أسير على أطراف أصابعي، سمعتُ ضحكة خفيفة من ضحكاته الكثيرة - هو له أكثر من ضحكة - ثم شعرتُ به يأخذني إلى صدره، يضمني إليه سمعت دقات قلبه، شعرت بتربيتاته على ظهري للحظات، ففتحت عينيَّ.. ولم يكن معي!!
ثم خرجت أبحث عن سجادة غرفتي، فرشتها، غيرت ملاءة الفراش الزرقاء إلى أخرى وردية، بها زهور وردية بلون أغمق، غيرت أكياس الوسادات، حملت الدب الأبيض الصغير إلى ركن الفراش، غمزتُ له بعيني اليسرى، وهمست في أذنه: «فقط.. لا تخبره..!!»، بينما ميادة تغني:
«أنا بعشقك أنا بعشق الكلمة اللي بتقولها وبعشق ضحكتك
 أنا بعشقك أنا بعشق الليل اللي في عيونك وبعشق رقتك
 أنا بعشقك أنا بعشق الأرض اللي عَدّت فيها يوم خطوتك».

الأربعاء، 20 يونيو، 2012

عن التدوين اليومي .. نكتب




كتابة يومية للمرة الثانية..
يجب أن أعتذر أولاً لأنني أتأخر في الكتابة، فآخر مرة كتبت فيها كانت منذ شهرين أو ما شابه- إن أسعفتني ذاكرتي لأنها صارت مزدحمة للغاية في الفترة الأخيرة- ولم أكتب فعلياً منذ شهرين شيئًا يقرأه المتابعون، إلا بعض الجمل القصيرة جدًا على صفحتي واقتباسات من كتب وروايات قرأتها خلال الشهرين الماضيين وسوف نتحدث تباعًا عن هذه الكتب مادمنا معًا طوال هذا الشهر، وسنتحدث عن عدة أفلام قيمة أيضًا إن استطعت أن أفعل ذلك وإن لم تثقلني مهام وظيفتي التي تتزايد كأنها تتكاثر ذاتيًا!

حاولت استعادة طقس الكتابة الذي أمارسه بإخلاص شديد، لكن عقلي المتعب رفض أن يفرغ جزءًا من محتواه الحسابي الجاف ليفسح مساحة صغيرة للكتابة، فصرتُ أقلب المدونات التي أعرف أصحابها، زرتُ كثيرين ولم أعلق عند أحد، لا لشيء سوى أنني لا أعرف ماذا أكتب إن أردت أن أعلق حتى!!

أشفق على الذين أحبهم من إرهاقي الشديد، ففي كل مرة أعود إلى المنزل مرهقة لا أستطيع أن أقوم بواجباتي تجاه أحد؛ فلا أستطيع التواصل مع صديقاتي ومتابعة أخبارهن ولا أستطيع أن أقرأ شيئًا من الشعر أو الأدب ولا أستطيع أن أحرك عيني لمتابعة فيلم جيد أرفه بمشاهدته عن نفسي!!

ولأنني مرهقة الآن أيضًا إلا أنني وعدت بأنني سأشارك في حدث الكتابة هذا، أكتب إليكم هذه الكلمات كافتتاحية للحدث الكتابي السنوي الذي أحبه كثيرًا، أنا أحتاج أن أجلس إلى نفسي وأهمس إليها بصوتٍ عالٍ أريد أن أعيد تعريف ذاتي بالكتابة كما كنت أفعل قبل شهور قليلة، لكن كثرة الأحداث المحيطة و المتغيرات التي يمر بها الوطن الكبير صارت تأخذ من أعصابي ووقتي الكثير، لذا سأحاول أن أنفصل عن هذا العالم قدر استطاعتي و لنتحدث عن الحب و الموسيقى و المشاعر وكل المبهجات التي قد تعيدنا إلى هدوء الذات وقد تزرع بذور الأمل في طريق الغد .
تصبحون على خير.. على حب.. وعلى أشياء حلوة.. كثيرة..!

الجمعة، 11 مايو، 2012

طُقوسْ : يَوْمُ الْجُمْعَة


يوم الجمعة..
أفقتُ على نهاية حلم يقول فيه شخص ما إنني سأكون بخير.
أعرف أنني سأكون بخير، لأن أمثالي دائمًا بخير، حتى وإن تألموا قليلاً أو بكوا قليلاً، لأن الله سيجعل قلوبنا تبتسم دائمًا بطريقةٍ ما، تذكرتُ وأنا على فراشي اليوم أنني لا تعجبني الستائر الجديدة، كنت أحب ستائري الخفيفة سكرية اللون المنقوشة بزهور حمراء، لكن أمي الحبيبة - جزاها الله عنا خير الجزاء - غيرت الستائر إلى أخرى بلونٍ غامق، يتماشى مع أثاث الغرفة البنية، فالستائر الجديدة لها تعريجات عريضة أنيقة باللون الذهبي والبني الفاتح والبني الغامق مع زهور منثورة بلون ذهبي غامق قليلاً، هذه الستائر الثقيلة لم أحبها كما كنت أحب الستائر القديمة التي كنت أرفض تغييرها، حتى انتهزت أمي - حفظها الله - وجودي في العمل ذات مرة ثم عدت إلى المنزل في المساء لأرى الستائر الثقيلة معلقة على نافذتي الكبيرة، فصرتُ أسأل عن ستائري القديمة إلى أن جاءت إجابة والدي الحبيب: «خلاص بقى، الستاير الجديدة أشْيَك».

«ذوقك مُرْهِق جدًا..»
قالت ذلك ثم إلتفتت إلي بينما أبحث عن بلوزة بيضاء بها نقوش سوداء، وحتى لا أسمع مثل هذه التعليقات فإنني أفضل أن أتسوق ملابسي وحدي، أعرف أن ذوقي صعب ومرهق، وأعرف أنني صعبة الإرضاء، وأن بي من هذه العيوب الكثير، وأعرف أنني لا أتراجع ولا يستطيع أحد إثنائي عن شيء ما دمتُ أريده، وأعرف أنني لا أتسامح، ولا أؤمن بفلسفة «الفرصة الثانية» ولا أعرف كيف أتبعها، لأنني أعرف أن الفرص الثانية تضيع كما الفرصة الأولى، ومن حق كل إنسان فرصة واحدة كاملة متكاملة ومرنة بما يكفي لاستيعاب الأخطاء وتفهمها، أما إن فسدت الفرصة الوحيدة فإنه لا داعي لتكرار المنح، لأن الناس إذا مُنحوا فرصة ثانية فإنهم سيكررون نفس أخطائهم، وهذا شيء أعرفه تماماً كما أعرف جداول الضرب العشرة الأولى، وأنا لا أحب أن أضيع وقتي، وهذا الدرس يبدو نزقًا وعسيرًا لكنني أعرف أن من وصل إلى الثلاثين وتعداها فسيحسن فهم ما أحاول شرحه.

تغمرني فكرة «الرجل الوطن» التي كانت تخيفني دائمًا، فكرة أن يتلخص الوطن في شخص واحد، تنتهي عنده محطات الترحال، ويبدأ القلب في ربط مركبه الوحيد البالي بمرساه، رجل تتعلق أحلامي بأطراف أصابعه وتخرج ابتساماتي من شفتيه، ويهطل الحنان بغزارة من جنبات صدره على ثنايا روحي، يثبت أن الخرائط فكرة فاشلة وأن المسافات ليست سوى أرقام لا تعنينا في شيء، والطفولة كما الحب تُمارس طوال الوقت دون اعتبارات للزمن، يفتح أبوابًا تغري بالحلم، كل الأشياء معه أول مرة، وكل مرة معه في كل شيء أجمل من كل مرة!!
رجلٌ كل أطواره حلوة كفصول السنة؛ هادئ في حزنه كالشتاء، رقيق في نفسه كالربيع، عنيف في مشاعره كالصيف، ومثير للحب كدفء الخريف، كلما فكرتُ فيه همس عبد الوهاب مطاوع - رحمه الله - في أذني قائلاً:
«إن أطهر النفوس النفس التي اختبرت الألم فرغبت أن تُجنب الآخرين مرارته»..
 فأبتسم، أفهمه أكثر، أقدره أكثر.. وأحبه.. أكثر!!

الأحد، 15 أبريل، 2012

حديث ذات .. 8




أكتب اليوم لأنني أحاول أن أخرج من رأسي بعض ما فيه، تزاحم الأفكار يصيبني بالصداع فهي تركض وراء بعضها مثيرة الكثير من الجلبة وتركل جنبات جمجمتي بعنف شديد، يجب أن يخف ذلك الازدحام المؤلم حتى ولو قليلًا، وربما يتسع صدري بعض الشيء، خاصةً وأنني أشعر كأن هذا العالم الكبير بسكانه وضوضائه وحرائقه انتقل إلى صدري الضيق!
أتيت اليوم إلى المكتب ولا عمل لي فيه، فقط أردت أن أبتعد عن مكان يعج بأرقام كثيرة وأناس يتحدثون عن بنود قانونية في عقد شديد التعقيد، نعم بالفعل أنا هاربة من العمل بذاك المشروع إلى هنا، لا أحد اليوم بالمكتب، أنا وحدي تماماً ومعي بعض الموسيقى، الموسيقى هي العامل الحفاز الوحيد الذي سيسهل خروج بعض الأفكار من رأسي، لم أختر روب كوستلو هذه المرة، روب كوستلو جريح القلب في الأساس وجراحه تتدفق منها الموسيقى لتشفي جروح الآخرين وأنا لا أحتاج إلى ضمادات؛ أنا بخير، لكن الأفكار ستنساب إلى الورق باحتراقات ياني فقط، نعم هذا هو وقت ياني.

عندما وصلت في الصباح، وجدت أن «كارول» مسؤولة النظافة استبدلت ملطف الجو خاصتي بالياسمين وأنا أستعمل الفانيليا، وعندما سألتها ابتسمت و قالت: "وما الفرق؟"، أجبتها: "الفرق هو أنني لا أريد الياسمين"، قالت: "لكنك طلبته منذ شهر!"، قلت: "أنا أريد الفانيليا الآن!" قالت: "حسنًا في المرة المقبلة سأطلب لكِ الفانيليا."
المكتب يمتلئ الآن بعبير الياسمين ولا حيلة لي في ذلك إلا أن أقوم بشراء عطر الفانيليا اليوم، كنت أستعمل الخزامى الحزينة منذ فترة بعيدة، لكنني أحببت الفانيليا لأنها مليئة بالفرح، مبهجة وشهية وأنثوية، لا تستعمل في حداد ولا تليق أن توضع في أكاليل على المقابر، لكن المشكلة أن رائحة الفانيليا المنبعثة من ملابسي ذابت واندثرت وسط زخم الياسمين!!
طلبت شايًا أخضر منذ دقائق، فدخل المضيف حاملاً إياه في كوبي الأبيض، وضعه على مكتبي وانصرف، وعندما هممت بالارتشاف منه وجدته حلوًا، مثل هذه الأشياء الصغيرة تضايقني، وتغضبني جدًا كأن ينسى أحد ويضيف السكر إلى قهوتي وأنا أحبها مُرة ولا أعترف بالمحليات إلا إذا هزمتني المرارة، إن الذين يضيفون المحليات والسكر إلى شرابهم يرفضون تذوق الطعم الحقيقي لما يشربون وأنا لست كذلك، أنا أحاول أن أتحمل الطعم الحقيقي لكل شيء، مر أو حاد أو حلو أو لاذع، لأنني أظن أن ذلك سيعينني بطريقة ما على تقبل طعم مواقف الحياة، لا أعرف لماذا أظن ذلك بالرغم من أنه لا يبدو حقيقيًا..!
كان لي موعد مع إحدى صديقاتي اليوم لكنني ألغيته، لا أريد أن يقوم معي أحد بطقس الأمومة، صديقتي هذه تعاملني كأنني طفلة صغيرة سقطت أرضًا فجرحت ركبتها واتسخت ثيابها وأنا لست كذلك، انا امرأة في الثلاثينات الآن لن يجدي معي ما كانت تقوم به، لا لشيء إلا لأنني أرغب في أن أقوم وحدي ولا أريد أن ينتزعني أحد من فوق الأرض، أريد أن أفعل كل شيء وحدي، سأبكي وسأعالج ركبتي وأبدل فستاني ثم أعود إلى اللعب في خضم هذه الحياة مهما استغرق ذلك من وقت..!!

في يدي الآن رواية طوق الياسمين لـ«واسيني الأعرج»، لا أعرف ما قصة الياسمين معي اليوم، حتى أمي الحبيبة في الصباح كانت تضع على غير العادة عطر الياسمين الأخير الذي اشتريته لها، و بالأمس عندما سرت بممشى على البحر لفتني رائحة الياسمين فانتبهت إلى أن الأحواض الخضراء المحيطة بي كلها مزهرة بالياسمينات..!
كنت قد حصلت بالأمس على اسطوانة موسيقية جديدة لـ«محمد منير»، وشغلتها في السيارة، الموسيقى رائعة ولكنني لم أحتمل كلمات الأغاني، فبعد الأغنية الثامنة أخذت الاسطوانة من المشغل وألقيتها خارج سيارتي من النافذة، أنا لا أريد أن أسمع هذا الكلام لأنه جميل جدًا لم أستطع أن أتحمله فتخلصت منه قبل أن تدمع عيناي، لذلك لجأت إلى ياني، حيث لا كلام.. لا شيء.. فقط إحساس ونغم.
أحياناً أفعل ذلك، بل أنني في مرة أعجبني ديوان شعر عامي قرأته كله وعندما بدأت في البكاء قمت بإحراقه،  وتلك الموسيقى صارت تنحت في روحي والكلمات مؤلمة كالوشم، وأنا مشوهة بالفعل، فكأن كلمات أغنيات «محمد منير» اتحدت مع الياسمينات في هذا العالم في مؤامرة ضدي مستغلين ضعفي وألمي وانعدام رغبتي في المواجهة هذه الأيام.

مزاجي مرتبك، واليوم طويل ولا يريد أن ينتهي، أريد أن أترك العمل وأذهب إلى البيت لأغسل نفسي من الياسمين الذي علق عطره بملابسي، أريد أن أتسلل إلى فراشي و أن أسدل الستائر الداكنة على النوافذ كلها، ثم أستسلم إلى النوم لأغمض عينيّ ولا أرى أحدًا، الأرق يمنعني من الراحة و يجهدني كثيرًا ويملأ وجهي بالخيبات والكوابيس والظنون والارتباكات ويجعل مشاعري سهلة القراءة بالنظر المجرد إلى ملامحي، وعقلي يعمل بلا هوادة منجبًا تلك الأفكار المشاغبة التي حاولت أن أسكب بعضها هنا، عل الصداع يرحل حتى ولو جزئيًا.




الجمعة، 6 أبريل، 2012

أَلْــــــــــوانْـــــــ : عن الأمنيات البيضاء



استكملت حكايتها قائلة:
«ثم لم تشترِ لي أمي الفستان الأبيض الذي حدثتك عنه، على الرغم من أن لدي حذاء أبيض يناسبه تماماً وله كعب عال، ولدي حقيبة بيضاء مغطاة بالريش وعصابة شعرٍ بيضاء رائعة عليها خمس وردات صغيرة».
ثم رفعت ذراعيها السمراوين الصغيرتين في الهواء لتدور حول نفسها دورة كاملة، راقبت خصلات شعرها الأسود الناعم تتطاير وعيناها مغمضتان، ثم سمعتها تقول:
«هل تعتقدين أن اللون الأبيض لا يناسبني يا عمتي؟».
ابتسمت وأنا ألتقط كوب القهوة الكرتوني، وقلت لها:
«كل الألوان تناسبك، الأبيض والوردي والأحمر.. فأنتِ أجمل الصغيرات على الإطلاق..».
اتجهت نحو النافذة الزجاجية الكبيرة، وقفت على أطراف أصابعها وتشبثت بقضيب معدني لامع لتراقب السيارات الملونة، ثم أخذت تعد السيارات البيضاء بصوت مرتفع.
شيروثي أكبر مشاكلها الفستان الأبيض، والانتقال إلى مدرسة جديدة لا تعرف فيها أحدًا، وتشكو أن شقيقتها الصغرى تشد شعرها الطويل واستولت على دميتها المفضلة، وغضبت عندما فقدت كتابها الأبيض عندما انتقلت مع أسرتها إلى منزلٍ جديد، كتابها الذي كان يتحدث عن أميرة تهبها إحدى الجنيات ثلاثة صناديق.

الأوراق البيضاء ملقاة على الطاولة بينما الصغيرة جالسة على الأرض أمام الجدار الزجاجي، عبثاً أحاول أن أكتب بضع كلمات عن لونٍ أحبه، أو عن لونٍ يذكرني بشيء أحبه، مسكينة هذه الأوراق التي تحمل وزر الكتابة، ضعيفة ولا حيلة لها حين تبدأ الأقلام في اغتصابها إلا أن تستكين لتحمل سفاحاً بعض الأسرار أو الحقائق أو الأكاذيب، وأنا أشارك في ذلك لأنني أحاول أن أجد شيئًا أكتبه ليناسب حدث الكتابة عن الألوان، فأنا أقمت الحدث واستضفته ولم أكتب شيئًا إلى الآن لأن الكتابة صارت صعبة؛ حين أبحث عن كلمات أغسلها في قلبي أولاً لتكون بالطهر المناسب للمرور بعينيه، قبل أن يرفع قلمه الأحمر ليبدأ في تصحيح أخطائي بنصف ابتسامة مغرية، ولا أظن أن موهبتي المتواضعة في الكتابة تسعفني دائماً في هذا الخصوص، ولكنني أحاول!

وقفت شيروثي أمامي ثم استأذنت في أن تسحب ورقة بيضاء وأن تستعير هذا القلم الرصاص الذي أحاول أن أكتب به، أعطيتها ما طلبت ثم جلست.. راقبتها ترسم مزهرية وزهورًا، ثم خبرتني أنها ستقوم بتلوين هذه الرسمة البيضاء بالألوان حين تعود إلى المنزل، أو أنها ستبحث عن حبات قطن ملونة بين أدوات زينة والدتها لتلصقها بدلاً من التلوين، أحب هذه الصغيرة لأنها مبدعة حقًا!!

الآن تأكدت أنني يجب أن أكتب عن اللون الأبيض، ربما أكتب عن قميصه الأبيض الذي ينعكس لونه على بشرته فيصير جبينه وضاءً أكثر وتلمع عيناه أكثر، أو ربما أكتب عن قنينة عطر الفانيليا البيضاء التي تقيم قطراتها على صدري بشكل دائم، أو عن عم أحمد البستاني - رحمه الله - الذي كان يعتني بحديقة الواجهة لإحدى الشركات التي عملت بها وكان يهديني ياسمينة عربية بيضاء كل يوم في موسم الربيع قائلاً :«صباح الياسمين يا وردة..».

وأذكر أن إحدى صديقاتي المقربات تمنت لي مرة أن أكتب قصة بيضاء، وعندما سافرت صديقتي إلى إيطاليا منذ أربع سنوات خبرتني أنها ألقت لأجلي في نبع التريفي ثلاث عملات معدنية، ثم أسهبت في الشرح وقالت إن التقاليد القديمة الإيطالية تقول إن لكل عملة معدنية معنى، فالعملة الأولى من أجل أن يرجع صاحب الأمنية إلى إيطاليا، والعملة الثانية من أجل أن يقع الشخص في الحب، والعملة الثالثة من أجل أن يرتبط بعد الحب إلى الأبد بالزواج. خبرتني أنها فعلت ذلك لأجلي بعد أن أخبرها أحد العجائز الإيطاليين بإمكانية أن تلقي بعملات معدنية لتتحقق أمنياتها لشخص آخر.
صديقتي الحلوة تؤمن بمثل هذه الأشياء، وتحب اللون الأبيض وتعتقد أن القلوب في الأصل بيضاء لكن الدم هو الذي جعلها حمراء، وأن الحب أبيض لأن لا لون يتصف بالنقاء والبراءة مثل الأبيض، وتؤمن بأشياء كثيرة كقوة الألوان.. وتعتقد أن اللون الأبيض أكثر الألوان قوة وتأثيرًا وقوته مثل الأسود تمامًا..

أما أنا فلم أنتبه إلى اللون الأبيض إلا اليوم، عندما قامت تلك الجميلة الجالسة على الأرض بالحديث عن فستان أبيض أعجبها ولم تشتره، وعندما لاحظت أن جزءًا يخفق في صدري وقتما تذكرت صديقتي ذات الأمنيات البيضاء وقصتي التي ربما ستكون بيضاء كهذا الضوء الداخلي الذي تشعه روحي إن لامست روح صاحب القميص الأبيض!

على الهامش :

ملهمة الكلمات بالأعلى هي هذه الطفلة الجميلة : Shruthi Raja 



السبت، 17 مارس، 2012

حديث ذات .. 7




يرتبط صوت ماجدة الرومي عندي دائمًا بالحب، وأعترف أنني حاولتُ مرارًا أن أجد في نفسي ما تثيره لدي ماجدة الرومي من أحاسيس عند أم كلثوم، فاتبعت كل وصفات محبي أم كلثوم، بداية من إعداد فنجان القهوة التركي والجلوس في هدوء في إضاءة خافتة والإنصات لصوتها، إلى القيادة مسافة طويلة وقت الفجر مع الاستماع لأغنية لأم كلثوم، ولم يفلح ذلك، فلم أستطع أن أحب القهوة التركي.. وفي المرة الوحيدة التي استمعت فيها إليها في السيارة كدت أصطدم بحاجز خرساني في الخامسة والنصف صباحًا عندما كنت في طريقي إلى أحد مواقع العمل، وقد كنت قاب قوسين أو أدنى من النوم أثناء القيادة.

تأكدت حينها أن أم كلثوم ليست هي الصوت الذي يحرك الشغف بداخلي، وأنا بالمناسبة أحترم كثيرًا محبيها ومستمعيها، وأحببت عددًا من قصائدها المغناة حين قرأتها دون غناء، وتمنيت - خفية في نفسي - أن تغني ماجدة الرومي قصيدة «هذه ليلتي» لجورج جرداق، أو أن تصدح أنغام بقصيدة «أغدًا ألقاك».

وبالمناسبة؛ أنا فاشلة في التقاط نغمات جمال سلامة على البيانو، الدكتور جمال سلامة ملحنٌ ثقيل، ويصعب عليّ أن أعزف بشكل سماعي أحيانًا، وتمنيتُ أن أصير أكثر احترافًا حتى أستطيع أن ألتقط النغمات بشكل أفضل، لكن الوقت لا يسع دائمًا للاستماع والتجربة والتعلم.

من المدهش والمثير للاستغراب أنني أجد وقتًا للكتابة أثناء العمل، فإذا فرغت من المهام المسندة إلي أخذت الدفتر والقلم وجلستُ أكتب وأكتب، وهذا لا يعني أنني سأستطيع أن أنشر كل ما كتبته، لأن هناك فاصلاً بين ما يجب أن يراه الناس وما يجب أن نحتفظ به لأنفسنا لنواجهها به لاحقًا في وقتٍ ما، وهذا لا علاقة له بأن هناك أشياء كتبتها ولم أقرأها لأنني لم أرغب في مواجهة نفسي بها ولكنني في انتظار هذا الـ«يوم» الـ«ما» الذي سأواجه نفسي فيه بما كتبت!
نعم أنا أكتب الآن وقت العمل، بينما الآخرون مشغولون بأشياء كثيرة، الطابعات تعمل في دأب وأصوات ألواح المفاتيح تتواتر في انتظام، وهواتف لا تتوقف عن الرنين، وأصوات مختلطة ما بين اللغات العربية والإنجليزية والهندية، لكن لا أحد يعلم أنني قادرة على تجاوز هذا كله والهروب منه إلى سلامي النفسي الشخصي الذي أجده في الكتابة، وأنا أستمع إلى ماجدة الرومي في رائعتها «مع جريدة» وهي تقول:
«ذوب في الفنجان قطعتين
وفي دمي ذوب وردتين
بعثرني، لملمني.. ذوبني..».
كلمات نزار المغناة تأسرني جدًا، فلم يكتب أحد يتحدث بمشاعر امرأة بهذه البراعة أبدًا، وبالمناسبة فإن قلة قليلة نادرة من الرجال يفهمون مشاعر المرأة ويستطيعون التعبير عنها والتعامل معها في الشعر والأدب، وبخاصة في هذا الزمن الذي صار فيه كل كلام مقفى شعرًا وكل عشرة سطور قصة، بل إنني أتساءل إن كانت دور النشر تقرأ فعلاً ما تقوم بنشره داخل الكتب.

اشتريت كتابًا ضخمًا لروائي كبير - هكذا يقولون - بناء على نصيحة أحد المثقفين، الذي عرفت فيما بعد أنه لا مثقف ولا يعرف عن الثقافة حاجة، ووصلت إلى ثلاثين في المائة من الكتاب، وأنا أقرأه بصعوبة لأنني دفعت فيه مالاً - أيوه هو استخسار - وكان الأولى بي أن أدعو بهذه الجنيهات المسكينة إحدى صديقاتي إلى فطور فاخر في فندق خمسة نجوم أو أن أشتري كتابَ شعر رومي قديم مترجم، أو أي شيء آخر.

محتويات ذاك الكتاب كان من الممكن أن يحكيها لي أي «سايس عربيات» في وسط البلد، أو أي فرّان عيش بلدي مسن يعمل في وسط البلد، مقابل كوباية شاي بنعناع أو سحلب بالمكسرات على قهوة في وسط البلد أيضًا، وما كان الأمر يحتاج إلى كتاب ودار نشر وغلاف ثقيل.
آن للحكي الآن أن ينتهي، كان يجب علي أن أتهيأ لاجتماع ما لمناقشة أمرٍ ما لن يحله ذلك الاجتماع الـ«ما»، وباعتبار أنه قد تم إلغاء ذلك الاجتماع فإنني سأحضر لنفسي نصف كوب من القهوة الذهبية السريعة، وسأنظر من الحائط الزجاجي الكبير بمكتبي إلى العالم الخارجي بنظرة فلسفية حقيرة فارغة لا أهمية لها، ثم أعود إلى عملي.

السبت، 3 مارس، 2012

حَديثُ ذاتْ ... 6




حفل زفاف آخر..
 لا أحب حضور حفلات الزفاف، ولا أحب الحفلات بشكلٍ عام، أكره الصخب والتجمعات، والعيون التي تحدق بالآتي والمُدْبِر طوال الوقت، والنسوة المجتمعات على الطاولات الأخيرة حيث تسهل مراقبة باقي النساء من أماكنهن الاستراتيجية التي تتيح فرصة لانتقاد الفساتين والزينة والمجوهرات، والمراهنة على أن خاتم فلانة يحمل عدة لآلئ سوداء حقيقية أو مصطنعة.
النساء يتحدثن عن ثوب الزفاف المبهرج جدًا الذي ربما يكون قديمًا، أو ثوب زفافٍ بسيط جدًا لأنه رخيص، وزينة العروس، والذهب الذي ترتديه، وبذلة العريس، والطعام الرخيص أو القليل أو السيئ.. في النهاية لا أحد يهتم لأمر أحد حقًا في هذه الحفلات، وأغلب الحاضرين عادة نساء، لمناقشة الأمور سالفة الذكر- نعم أنا امرأة وأعرف ما يقوله النساء في جلساتهن في الأماكن الاستراتيجية في مثل هذه المناسبات - فإنهن يجلسن في مجموعات للنقد و الفرجة عادةً؛ وأنا أكره ذلك.
لا أحضر حفلات الزفاف إلا إن كنت أعرف جيدًا أن عدم حضوري سيثير مشكلة أو سوء علاقة، غير ذلك فإنني أكتفي بإرسال هدية للعروسين على عنوان منزلهم بعد الزفاف ببضعة أيام.
ولأنني لا أعرف العروسين جيدًا، فإنني لن أذهب هذه المرة أيضًا، وربما لن أرسل هدية حتى، لأنني أدخر المال لشراء جزيرة، وهذا يعني أنني ربما أملك المال اللازم لذلك خلال قرنين قادمين إن استطعت أن أعمل 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع.. «بس قولوا إنشالله»!

لا أعرف كم شخصًا في هذا العالم يكتب أحلامه على ورقة في دفتر بنفسجي لسنوات متتالية، ثم يصحو في يومٍ ما ليجد أحلامه مجابة في صورتها الأفضل، فكأن الكون كله اتحد وصار يبحث عن أحلامه لسنوات في قاعدة البيانات الكونية الكبيرة حتى يعطيه ما حلم به في يومٍ ما.
وأقصد بذلك أن تتبدل سماؤك بسماء أكثر زرقة، وأن تتبدل شمسك بشمسٍ أكثر دفئًا، وستنتبه إلى ابتسامات الآخرين، وستحب أن تسمع أم كلثوم التي لا تحبها، وستبدو كل أغنيات الحب ذات معنى حتى وإن كانت سخيفة ضعيفة الكلمات، وستفقد الطريق إلى مسكنك الذي تسكنه منذ سبع سنوات لأنك كنت تفكر في غدٍ منعت نفسك أن تصنعه مع شخصٍ غير هذا الآخر السحري الذي خرج من دفتر رغباتك الذي لا يقرأه أحد..!
ستعرف هديتك وحدك، ستشعر بهذا الدفء، وستسكنك الطمأنينة، سيكون قلقك أقل كثيرًا، ستهدأ نفسك، وستشعر بأن الآخر يغسل بروحه روحك فيسكب الطهر فيك، ستصير ناسكًا من نوعٍ لم تألفه ولم تعرفه، فقط سيختفي إحساسك السلبي بكل الأشياء مرة واحدة، ولن تكون هناك قيمة لأية جروح قديمة، لن تذكر ما كان يؤلمك قبل أن تعرفه، ولن تكون هناك مقاومة من أي نوع ولن تدرك أنت ذلك، فقط ستستسلم وستكون أكثر وداعة مما تعرف.. ستصير شخصًا آخر.

ستستجيب إلى الحنان وستكون أكثر حساسية نحو رقته، سيرد إليك إيمانك بكل ما كفرت به، لن يزعجك المطر الغزير لكنك سترفع يديك بالدعاء لأن يحفظ الله نعمتك، وربما لن تنتبه إلى الغبار في الجو ولن تصيبك الحساسية لأن صدرك ممتلئ بشوقٍ وحكايا وأسرار كثيرة، سيحدث كل هذا بسرعة كبيرة، بل إنك ربما لن تعرف نفسك، وستعيد تعريفها بألوان أزهى!
وستؤمن بالرافعي الذي كنت تراه يبالغ حين ذكر في كتابه رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب :
«وقد يكون اتصال رجل واحد بامرأة واحدة كافياً أحياناً لتكوين عالم كامل يسبح في فَلكٍ وحده. عاَلمٍ مسحور، في فلك مسحور، لا يخضع إلا لجاذبية السحر، ولا يعرف إلا تهاويل السحر».
فقط صدقوني، لأنني أعرف ما أقول، وتبقى نصيحة واحدة؛ هي إن تُرِدْ أنت ذلك حقاً، بكل الصدق الذي تعرفه، بكل اليقين الذي تؤمن به، وبكل حواسك، فكن مخلصًا له قبل أن تلقاه!!