السبت، 27 فبراير، 2010

عن سيد الحلول الوسطى


في كل مرة أغضب منه أذهب إلى الصحراء ، آخذ معي كوب قهوتي البرتقالي ، و بطانيتي الزرقاء ، و وسادتي المخملية و ألقن الثعالب تعاويذ الفراق ، و أستخدم ذئاباً للحراسة ، و أعين ألف صقر للمراقبة ، و أطعم خارطة طريق العودة إلى الضباع الجائعة ، ثم أنصب خيمتي ، و أوثق قلبي بتمائم الوجع المسنونة ، و أوظف بضعة كوابيس ليلية لتخرب أحلامي به ، لا أعرف كيف يتسرب إلي ، بعد كل تلك الاحتياطات ، و بعد ان أقف بكل قوتي لأقول له : نحن انتهينا ، و أقاطعه مقاطعة الناسك الزاهد للخمر و الميسر و الشهوات !!

يقولون ان هناك طريق تسلكها الذكريات في المخ ، لا أعرف لماذا تصير هذه الذكريات بهذا الذكاء، و لماذا لاتضل الطريق ؟؟ و لماذا لا يسكن مخي اي قاطع طريق محترف، يختطف هذه الذكريات المشتعلة ، و يطلب فدية من الماضي المفلس الذي لن يدفع شيئاً لإنقاذها ، ثم يقتلها ذاك اللص و أفقد انا أثرها ؟؟

او لماذا لا ياتي أي عصب مدمر بآلات للحفر و الردم ، فيردم الطريق ليبني برجاً سكنياً للخلايا المتعبة ، أو يدخل طريق الذكريات ضمن كوردون المباني و انتهي انا من هذه الطريق و من كل ما يتعلق بها !!

و لماذا لا تطغى الأشياء المزدحمة في عقلي عليها ؟؟

قال لي ذات ذروة إرهاق في حوار طفولي : إن كنتِ لا تريدين أن تصيري حبيبتي ، فما رأيك في أن تكوني ابنتي 95% من الوقت ، و حبيبتي 5% فقط ؟؟

و لا أعرف كيف وافقت !!

كيف وافقت على هذا النوع من الترويض الذكي ، كيف وافقت؟؟

لعلي لم امانع في ان أتحول إلى طفلة تتذمر من ألعابها القديمة ، و تنتظر قبلة المساء و عيدية العيد و حلوى المكافأة إن أحسنت التصرف ، و سأعترف بأخطائي كأي طفلة مهذبة لا ترغب في العقاب و لا تنتظره ، و ربما وافقت لأنحي غرائز الأنثى جانباً فلا أشتاق إلى مداعبته لأصابعي مثلاً أو لتأبط ذراعه تحت المطر ، لا أعرف كيف حولني من امرأة غاضبة و مزعجة تمسك مسدساً مسحوب الزناد مصوبٌ إلى جبينه ، إلى طفلة ترتدي بيجاما وردية و تمسك دبدوباً أبيض !!

بعد يومٍ واحد رأيت ان هذه الأنثى التي تسكن بداخلي ، تطرد الطفلة و لا ترغب في بقائها ، فحبيبته تقتل ابنته لتأخذ مكانها ، صارت تعذبها ، تمزق أوراقها ، و تكسر كل الدمى ، فكيف تأخذ طفلة 95% من الوقت ، و تظل الأنثى المغرورة حبيسة خمسة بالمئة فقط !!

كيف أن الطفلة البريئة تنفرد به لتريه مذكراتها في الدفتر الملون و رسوماتها الحمقاء عديمة الفائدة ، و الأنثى التي ترغبه حد الجنون تعتكف كسجينة في مكان آخر من روحي ..!

كيف تهجر عطورها و مرآتها و دلالها من اجل طفلة لا تعلم من أين أتت حتى !!

هذا الرجل ..هو سيد الحلول الوسطى .. أخاف أن أحيا به و لا أريد ان أفنى فيه ..!!