الأربعاء، 18 أغسطس، 2010

رمضانيات .. 2



كنت في بورسعيد خلال فترة دراستي الجامعية بكلية الهندسة ، حيث رمضان ببورسعيد لا يشبه أي رمضان آخر ، بورسعيد كلها تكتسي بالنور و الفرح و الجلال ، المآذن مزينة ، و الدكاكين منيرة ، و المساجد معطرة و لا تخلو من القائمين و العابدين و الساجدين و القارئين ، أفتقد رمضان ببورسعيد جداً ، ربما لأن مذاق بورسعيد متجانس جداً عن المدن الأخرى .

الجامع التوفيقي بشارع الثلاثيني هو مسجدي المفضل ، أشعر فيه بسلام و هدوء و خشوع ، كنت أذهب مع صديقاتي دائماً للصلاة هناك ، و غالباً ماكنا نجلس لقراءة القرآن الكريم ، كنا ستة فتيات بكلية الهندسة ندرس بقسم الهندسة المدنية ، و نمر عادة بنفس الظروف و الضغوط معاً ، كنا نتقاسم كل شيء و لي صديقة واحدة منهن قريبة إلى الروح حد التوأمة ، أسعد الله مساءها و تقبل طاعتها برمضان و أعانها على الذكر و الشكر و حسن العبادة ، صديقيتي هذه هي التي عرفتني إلى الجامع التوفيقي لأنه قريب من منزلها جداً ، و كنا عادة نصلي سوياً هناك .

في يوم ، كان وقت صلاة الظهر قد مر ، و كنت قد تأخرت و إحدى صاحباتي عن الصلاة فذهبنا إلى هناك معاً ، لقد كانت صاحبتي تمر بآلام صعبة ، من تلك التي تعتصر قلوب البنات على قلة خبرتهن و غرارة خبرتهن ، و صعوبة التعايش مع الواقع إن كن محفوظات في اجواء معقمة لمدة طويلة ، كانت صادقة حد النهاية من الصدق في كل شيء ، و بريئة جداً ، و كانت وحيدة حد النهاية من الوحدة أيضاً ، كانت تسير بضعف في محاولة منها للملمة أجزائها التي بعثرها أحدهم بقسوة ، بقصد أو بدونه ، لكنها كانت تتألم من الداخل ، و كنت أحاول أن ألزمها لأنني لم أرد أن أتركها وحدها أبداً.

عندما دخلنا إلى المسجد ، لفتت انتباهنا ، امرأة سمحة الوجه ، لم يكن في المسجد سواها ، ترتدي خماراً سمني اللون ، و عباءة بنية أنيقة ، بدت في أواخر الثلاثينات ، اقتربت مني و صديقتي و استأذنت في الجلوس معنا ، ثم سألت صديقتي : إنتي تعبانة ؟؟
فأجهشت صديقتي في البكاء ..
فسمعت من هذه السيدة حديثاً لم أسمعه في حياتي بهذه الطريقة من قبل ..
صارت تتحدث عن أذكار الصباح و المساء ، و عن الدعاء و أثره ، و عن قراءة القرآن  ..
و كيف أنها مرت في حياتها بما لم يتحمله بشر ، لكنها استطاعت بفعل العبادات أن تتخلص من كل الاتهامات و المظالم و الآلام ، و كيف ان القرآن خير معين ، و شرحت معنى أنه يشفي صدور المؤمنين الذي يطمئنون به و بقراءته ، و كيف ان الله لايرد يدي عباده صفراً ، و أن الدعاء يشترط فيه اليقين بشكل أساسي ..ثم عرفت لنا اليقين .. و استرسلت في الحكي ..
شعرت حينها انني أجلس و صديقتي في بقعة من بقاع الجنة ، ضاع الوقت و لم أشعر به ، و هذه السيدة تتحدث بفصاحة و طلاقة ، حتى دخلت سيدات أخريات إلى المسجد قرب صلاة العصر و اشتركن في الحديث ، فصار هذه تسأل عن ابنها الغائب الذي لا يريد الرجوع ، و تلك تسأل عن زوجها الذي أتعبها بخياناته المتعددة ، و أخرى تتحدث عن الانتظام في الصلاة و العبادات ، فكان الحديث ثرياً و رائعاً لم أنعم بمثله منذ ذلك الوقت .

ثم أذن العصر بعد ذلك و وقفنا جميعاً للصلاة ، و بعد أن انتهينا من التسليم ، قامت تلك السيدة ثم عانقت صديقتي في حنان ، و التفتت إلي ، قبلت خدي الأيمن ، ثم قالت : أستودعكما الله يا حبيبتيَّ .. سأراكما قريباً إن شاء الله .

و عندما خرجنا من باب المسجد ، غادرت في سرعة و لم نستطع أن نسألها حتى عن اسمها او رقم هاتفها أو أي شيء ..
و صرنا نذهب إلى الجامع التوفيقي في صلاوات متفرقة  لمدة سنتين تخرجنا بعدهما آملتين أن نلقى هذه السيدة مرة أخرى .. !!

هذه السيدة .. ظهرت من أجل صديقتي .. و من أجلي و من أجل كل تلك الأخريات اللاتي احتجن وجودها في هذا اليوم تحديداً .. و ذهبت و لم يعرف عنها أحد أي شيء سوى أنها كانت امراة في أواخر الثلاثينات ، ترتدي خماراً سمني اللون و عباءة بنية أنيقة .. و نظارة طبية .

فسبحان الله .. !!
فعلاً ..
حسيت ان الله سبحانه بعتلنا الست دي في الوقت دة تحديدا عشان كلنا كنا محتاجين حد يتكلم معانا .. حد يفكرنا .. و يذكرنا بما نسينا  .

و رمضان كريــــــم :)