الجمعة، 10 فبراير، 2012

القادمون من الماضي ..




في البداية رفضت أن أقابله .. 
لا أميل إلى الذين ينتمون إلى الماضي كثيرًا ، لأنني بعد لقائي عادةً بأشخاص عرفوني منذ عشرة سنوات أو أكثر ، فإنني أتلقى تعليقات من عينة : " لقد تغيرتِ .. أنتِ تشربين القهوة المرة ؟؟  .. لقد كنتِ أكثر بساطة و طيبة .. لقد كنتِ .. و كنتِ  .. و كنتِ ... "
و أنا أعرف انني كنتُ أشياء كثيرة .. و أعرف أنني كنتُ أكثر بساطة و أعرف أنني كنت أكثر طيبة .. أعرف كل هذا و أعترف به ، لكنني لا أقبل أن ينتقدني أحد لم يعرفني لعشرة سنوات أو أكثر و تذكرني فجأة خاصةً أنه لم يكن موجودًا أبداً في كل مرة طعنني فيها سكين ، أو اختل توازني من فرط صدمة ما .. !!
وافقت على موعده على مضض ، لازال بي بعضٌ من فضول جعلني أوافق على لقاء زميل دراستي القديم هذا ، كان اليوم مزدحماً بأشياء كثيرة و لكنني استطعت أن أقتنص له موعدًا في منتصف اليوم ، المسافة بيني و بين المكان المتفق عليه بعيدة ، و لكنني سأصل في الوقت المحدد . 
كان الطريق طويلًا .. لكنني أستأنست بـ" روب كوستلو " 
روب كوستلو .. أعتبره من أفضل عازفي البيانو ، لأنه صاحب إحساس صافٍ .. و قريب من القلب .. و في كل مرة سألته عن شيء رد في الحال ، فهو لين الخلق و التواصل معه سهل بشكل شخصي .
موسيقاه قادرة على شفاء القلوب المكسورة ، بل أنني أكاد أنصح بوضع بعض مقطوعاته التي تحمل انتقالاً بين الحزن و الأمل في النغم في كورس مكثف لعلاج الصدمات العاطفية ، أو هكذا أرى ..!
وصلت إلى حيث اتفقنا ، في البداية ساورتني الشكوك أن هذا الجالس هناك هو صديقي القديم ، كان كل مايشغل بالي هو فضولي لمعرفة السبب الحقيقي وراء طلبه ملاقاتي ، خاصةً أننا لم نكن قريبين و انقطعت صلاتنا منذ فترة طويلة ، لاحظت أنه صار مدخنًا .. و أنا أكره المدخنين ، فقلت في نفسي أنني سأحاول تقصير اللقاء قدر استطاعتي ، و سأحاول أيضًا أن أخبره في لطف أنني لا أرتاح لرائحة الدخان و السجائر .
وقف مبتسمًا و استقبلني .. و بدأت في قضم الإجابات على أسئلته المتلاحقة ، فأنا عادةً لا أجيب عن أسئلة شخصية تجنبًا للجدل ، فالقادمون من الماضي يخلطون صورتي القديمة بصورتي الجديدة و يبدأون في المقارنة بشكل يضيع وقتي و يجعلني أغضب بسرعة .
أوشك أن يسحب سيجارة من العلية البيضاء ، فقلت في سرعة بابتسامة مصطنعة :  " أنا لا أحب رائحة الدخان و أتحسس منه .. فأرجو منك ألا تدخن إلى أن ينتهي حديثنا "
و عندما وصلت القهوة ، تناولت الفنجان الصغير على عجل ثم سألته لأنني أوشكت على الاختناق من فرط الملل : " ما هو الأمر الهام الذي ترغب في الحديث عنه ؟ "
فأجاب : " أين ذهبت منى ؟ "
تصفحت ذاكرتي سريعًا .. نعم .. إنه يسأل عن منى .. كانت حكايته مع منى حكاية تشبه ما يمكن أن نقرأه في الروايات ، كأنهما كائنان حبريان شديدا التعلق ببعضهما ، كان حبهما صاخبًا .. كان ذاك الحب يتضمن الوقوف تحت شرفة منى ، و اهداءها الورود في كل مناسبة ، و ارسال رسائل غرامية بالبريد ، و طرود بهدايا فجائية ، و أشياء كثيرة .. و لكن منى كانت عاشقة أيضًا !!
أعرف أنه ترك منى و تزوج بأخرى ، و شاهدت منى تتساقط ، رأيتها تمر بأصعب أوقات حياتها ، رأيتها تعاني أعراض انسحابه من دمها و حياتها لأجل أخرى ، عرفت فيما بعد أنه اختارالأخرى لأنه لا يضمن سلوك "منى "  - التي لم تكن سوى عاشقة مخلصة شديدة الولاء - فاختار أن يتزوج بفتاة أبسط بكثير ، من خلفية اجتماعية و علمية بسيطة ، إنه الذكر الشرقي مرة أخرى .. !!
سألته : " و لمَ تسأل ؟ "
أجاب : " أنا أذكر منى في كل يوم ، و لا أكاد أرى سواها في كل شيء ، و لم أشعر بأي شعور شعرته مع منى مع أي امرأة أخرى ، و هي أكثر جوانب حياتي نعومة ، فهي الذكرى الوحيدة التي تحملني على الحياة .. لقد أحببتها حبًا شديدًا "
قلت : " و تركتها بمحض إرادتك .. " 
قال : " كنت حديث الخبرة بالحياة و لم أعرف أنني سأعاني بهذا القدر ، عشرة سنوات و أنا لا أجد في نفسي رضىً و لا راحة ، أريد منى  .. و أعرف أنك صديقتها ، و أنك تعرفين ما صار لها .. هل تزوجت منى ؟ "
قلت : " يا أخي .. لقد ذهبت و لم تنظر وراءك .. و صارت المسافة بينك و بين منى بعيدة ، و تصنعت الصمم في كل مرة حاولت أن تناديك فيها ، و استمررت و ذهبت فتزوجت و أنجبت .. ما الذي ذكرك بها الآن ؟ "
قال : " أشعر بالذنب تجاهها ، و لم أجد أي رابط يوصلني إليها .. بحثت عنها في مواقع الاتصال الاجتماعي ، سألت عنها كل أصدقائنا .. و زوجتي لا تشبه منى .. لم أقدر ان أحبها و لكن الأولاد .. "
قاطعته بينما أقوم بإخراج ثمن قهوتي من محفظتي قائلة : " أنا أيضًا  لا أّذكر أين ذهبت منى  .. سأذهب الآن و لا أريدك أن تغضب لأنني أدفع ثمن قهوتي .. " و أخذت حقيبتي و سرتُ بسرعة نحو الباب .. و انتهى اللقاء .
الآن .. 
إليك يا صديقي هذا الكلام .. أعرف أنك ستقرأ و أعرف أنك ستغضب .. لكن يجب عليك أن تعرف .. ليس أكثر ..!!
منى أم لثلاثة فرسان الآن ، و هي سعيدة و متزوجة برجل فارس أيضًا ، و هي ما عادت تذكر أنك حتى مررت بحياتها ، هي تحب زوجها و أطفالها الثلاثة ، أم متفانية و امرأة طيبة  و زوجة عاشقة .
منى ليست في حاجة إليك ، منذ 12 عامًا عندما تركت أنت منى ، صار الجميع يحاول مساعدتها على الشفاء و التجاوز ، فتجاوزت بفضل الله وحده ، حين غيرت أنت رقم هاتفك و قررت أن تسافر انهارت هي جزئيًا ، لكن الله رزقها بمن أعاد ترميمها ، و منحها اسمه و شرفه و مستقبله و حياته بإخلاص لا أحسبك تعرف معناه .
و ستظل أنت هكذا متخبطًا تثير الشفقة و الضحك معًا ، لأنك لا تعرف ماذا تريد  ..!!
نعم .. لقد خسرت يا صديقي ..  و هذا ما كنت أريد أن أخبرك به .. و لم أخبرك به عندما التقينا لأنك ممل و سخيف ، و لأنني أردت فقط أن أرى خسارتك في عينيك ، أردت أن أرى هذا الشعور بالندم ، أردت أن أعرف كيف يصير شكل الذكر الشرقي حين يفقد جزءًا منه لن يستطيع استرداده !!
بالمناسبة ، هذه التي لا تعجبك الآن .. أنت فضلتها و اخترتها منذ 12 عامًا .. هذا اختيارك .. فتحمل نتيجته كالرجال نعم كالرجال.. جرب أن تكون مثلهم !!