الجمعة، 11 يوليو، 2008

حدث .. قبل الجسر..

تضيء شمعة أخرى .. الطريق يطول .. إلى الجسر الخشبي العتيق فوق البحر ، صوت الموج ليلاً مخيف ، و هي وحدها ، تسير ، الرمال الدافئة تداعب قدميها و تلتصق بعباءتها الحريرية ، تمسك الشمعة بحذر حتى لا تطفئها النسمات ، تقرب يدها من النار ، و تسير بحذر و ثبات ، على الطريق هناك .. قبل الجسر ، تقابل غجرية عجوز لها ظهر محدب ، خصلات شعرها البيضاء تتطاير من تحت غطاء رأسها ، تسير بثقل ، بيدها عصا و صرة كبيرة ، المرأة تنادي : " هنا صرة الأسرار ، هنا المستقبل ، هنا الحل ، هنا كل ما أردت أن تعرفه و كل ما لم تعرفه بعد "

الغجرية العجوز ، صوت أساورها و خلخالها يخترق الهدوء في الليل ، تقترب منها ، تجذبها للجلوس على الأرض ، و تخبرها أن هذا بالمجان ، تمد يدها إلى الصرة ، فتضع منها صحناً صغيراً على الأرض ، تأخذ منها العجوز الشمعة ، تلامس يدها الناعمة يد العجوز الخشنة ، تتساقط دموع الشمعة على الصحن الخزفي القديم ، تضغط العجوز بها على الصحن ، تبدأ العجوز في فتح صرتها القديمة ، تخرج منها منديلا قديماً متهالك و مرقع ، تلمح الشك في عينيها العسليتين ، فتخبرها أن هذا المنديل إرثُ عائلي ، و يساوي من الذهب الكثير ، فهو منديل باركه الجد الكبير في قبيلتها ، و هذا المنديل هو السر في أن الأصداف داخلها أرواح قديمة ، لفتيات صغيرات ، تم أسر أرواحهن بالأصداف ، حتى يأتين بالأخبار ، و يعرفن الأسرار .

تقلب العجوز الصدفات ، تأخذهن في يدها الخشنة ، ترش عليهن بعض الرمال ، تنفث فيهن ، تلملم الصدفات ، تغمض عينيها ، تحرك إصبعها عليهن ، حتى تخبر ها أن تلك الصدفة هي البيضاء الصغيرة ذات الخطوط الرمادية المتعرجة التي ستحمل السر ، تفتح العجوز عينيها ، تناولها الصدفة ، و تطلب منها أن تمسها بشفتيها ، فتتناول الصدفة في وجل ، تأخذها في يدها ، تقربها من شفتيها المكتنزتين المرتعشتين ، تسحب منها العجوز الصدفة الصغيرة ، ثم تضعها على أذنها ، تنظر إليها العجوز و تبتسم ثم تقول :

" تخافين ألا يحمل رحمك أطفاله ، و كل امرأة لامسها مباركة ، تخافين من ارتعاشة امراة أخرى بين ذراعيه ، تخافين من اختلاط أنفاسه بها ، تغارين ، تخافين أن تلامش شفتاه شفتيها بعد شفتيك ، تخافين فراقه ،تخافين أن يطير عطره من تحت جلدك ، أن تتسلل بصماته عن جسدك ، تزهر بداخلك حدائق الشوق الملونة في كل ليلة ليقطفها هو ، و تضعين قطرات من دمك في كأسه الذي لا يشربه ، تتألمين لأنك لا تتقلبين أمام عينيه ، ترقصين حوله ، و هو يراقبك ، تتعبدين له أنتِ ، تحجين إليه ، الطريق طويل ، و زادك لا يكفي ، الثمرات الذابلة لن ترويك ، يا صبية ، كفي ، ارجعي عن الجسر ، فالبحر لن يرحم ، و قدماكِ حافيتان ، و البرد يدب في روحك ، و الضعف يسري فيكِ ، و الشيطان يترصد ، و الجسر سيتمدد ، و إن ذهبت ، فلا عودة لكِ ، و لا وطن ، الشمعة ستذوب ، و ستنتهي الشمعات ، لن تبددي الظلمة ، و الشمس لا تصل إلى هناك ، إن لم يأمرها هو لتشرق على وجنتيكِ ، لا تصدقي الطيور ، و لا تسمعي نغمات الماء المتساقط هناك من الشلال الكبير ، بعد الجسر لا طريق ، لا طريق و لا مكان ، ستفقدين الجسر إذا أنهيتيه ، أو اجتزتيه ، أو طالك ضوء القمر فيه ، إن الأمر أكبر .. أكبر بكثير من الخارطة ، و الخرج ، الحب أكبر ، احفظيه و ارجعي ، و سيعرف هو الطريق ، لا ترسلي له بمكانك ، سيعرف وحده من يمامة رمادية ، سيسمع ترنيمها ، سيفهمه ، إرجعي "

تختفي العرافة من أمام ناظريها ، تترك لها الشمعة فوق الطبق الخزفي ، ذهبت العرافة ، و هي لا تعرف الطريق ، اختفت خارطتها من خرجها ، صارت وحدها ، الجسر يبعد أكثر ، البحر موجه يعلو أكثر ، المد أتى ، تجري بعيداً عن البحر ، نست الشمعة ، الظلام شديد ، تحاول أن تذكر طريق الرجوع فلا تستطيع ، تنزعج ، تفتح عينيها ، غافية على صدره هي ، يداعب خصلات شعرها ، يبتسم ، يحرك أنامله على شفتيها ، يهمس .." أحبك .. لا تخافي.. سيزول الحلم .. و سأبقى "