الأحد، 6 يوليو، 2008

في يوم .. لم يقرأه أحد








حرارة الشمس تطل من زجاج سيارته ، يمسح قطرات العرق السائلة من جبينه الشاب ، يخلع نظارته الشمسية ، يلقي نظرة خاطفة على ساعته السويسرية الأنيقة ، لازالت الثامنة صباحاً ، الطريق لا زال مزدحماً ، صوت الموسيقى الأمريكية ينطلق من سماعات الصوت الموزعة على جوانب سيارته الأربعة ، الإشارة طويلة ، السيارات المتراصة أمامه و خلفه تصيبه بالاختناق ،فيشعر بثقل الهواء بالرغم من المكيف الذي صار يبذل جهداً كبيراً لتبريد السيارة من الداخل .



رائع هو ، في كل يوم يضيف سطرين إلى أحلامه ، تتقاذف الأفكار في رأسه بعض الاتهامات ، الفكرة تليها فكر ، اختبارات نهاية العام ، المهام الغير منجزة ، صديقه الذي أخلف موعده منذ يومين ، الآخرون ، هؤلاء الذين يرغبون في الأشياء بالمجان ، و هو يؤمن ، بأن الأحلام ليست مجانية ، و أن هناك ثمناً لكل شيء في هذا العالم ، عرف مبكراً حسابات الربح و الخسارة ، آمن بأن الخسارة قد تصنع ربحاً فيما بعد و أدرك و هو لازال في الواحدة و العشرين أن الفشل هو الذي يصنع النجاح ، و كان بمفاهيمه العميقة تلك ، قد اجتاز الكثير من سنوات الخبرة ، التي قد يحتاجها الآخرون ليكتشفوا ما اكتشفه هو .



تصير الإشاراة خضراء ، يضغط بقدمه على مزود البنزين ، ينطلق ، و يبدأ في ترتيب يومه ، يلمح مكاناً ليصف سيارته بجوار بوابة جامعته ، ينظر بثقة ، يحرك سيارته بدقة و سرعة ، يصفها، يفك حزام الأمان ، يطفيء محرك السيارة ، يتناول مفاتيحه في هدوء ، و يتناول كشاكيله ذات المربعات الصغيرة .



في كل يوم تنتظره هي هناك ، تحاول ان تبيعه بعض المحارم الورقية لسيارته ، أو ربما مصحف صغير ليعلقه بالمرآة ، كان يدفع دائماً بزيادة مع ابتسامة و دعاء ، و لم ترغب في أن تبادل منطقتها تلك مع أي فتاة أخرى ، فهي تحب منطقتها لأجله ، امام الجامعة الخاصة التي يرتادها هو ، تذكر أول مرة رأته فيها منذ سنتين ، باعته كتيب أّذكار صغير ، دقت زجاج سيارته و صوت محركها يهم بالرحيل ، فتح الزجاج مبتسماً في رقة ، فتعجز عن الحكي ، أخذ الكتيب ، سألها عن الثمن ، أجابته في ارتباك جنيه و نصف ، امتدت يده بخمسة جنيهات ، ثم ابتسامة ساحرة أخرى ، أغلق زجاج سيارته ، و ذهب مسرعاً ، رسم ابتسامة على شغاف قلبها .



تضع أحلامها الصغيرة فيه ، تود أن يراها يوماً كما تراه ، و أن يكف عن النظر إليها على أنها متسولة فقيرة ، تمنت أن يسألها عن اسمها مرة ، أن يدعوها إلى كوب عصير ، أن يأخذها في سيارته إلى كورنيش النيل ليشتري لها الترمس و الحمص أن يرفعها لتجلس بجواره على السور ، فهي في كل يوم تنفض ملابسها و تمشط شعرها و تغسل وجهها الصغير الذي لم تزل منه أبدا ًعلامات الشقاء ، و ترتدي قبقابها البلاستيكي الجديد ، و تذهب لتراه ، تعد دقات قلبها في كل خطوة يخطوها حتى يغيب عن ناظريها في مجيئه و ذهابه ، لازالت في السابعة عشر ، لقد تعبت من حياة الشارع منذ زمن ، صار لها بالشارع ثمانية سنين ، تذكر زوجة أبيها ، الضرب بالحزام و الحذاء ، و تقطير حمض الكبريتيك -ماء النار- على يديها ان اخطأت أو عبثت ، تذكر الجوع و الألم ، و الليلة الأولى التي باتتها في الشارع بحديقة مسجد ، تتحسر على حالها ، على فقرها و سوء حظها ، و على الأولاد من الشارع و مآربهم الدنيئة ، على الجنيهات القليلة التي ما عادت تكفي ، فصار هو سرها الذي تفرح به ، لا تعرف طريقاً إليه و هو قريب ، تساءلت ما اسمه طويلاً ، إلى أن سمعت مرة احد رفاقه يناديه " أحمد" ، ثم قررت ان تكتب اسمه على ذراعها كما يفعل المحبين ، فتناولت دبوساً ، وضعته على اللهب ، ثم حفرت اسمه .
هل تخبره أنها تحبه أم تلقي له وردة أم ماذا ، تقتتل الأفكار في ذهنها المحدود ، تتساءل في ألم ماذا سيحدث إن انتهت الدراسة كلياً ، أو إن تخرج هو و ذهب بلا عودة ، تنفض عن رأسها الأفكار و تمني نفسها بأن يعرف يوماً ، بان تصير أميرته ليصير أميرها ، تحلم به يراقصها في منزل فسيح ، يطعمها بأصابعه ، لتذوب بين رموشه الكثيفة ، تتذكر الحياة في الأفلام التي تشاهدها في الفتارين الزجاجية لمحلات الأدوات الكهربائية ، تعيش في أحلامها معه و تغيب ، تسقط منها بعض علب المناديل ، تنحني لالتقاطها ، و تجري لتبيع للمارة و للسيارات لعلها تظفر ببضعة جنيهات ، تمر برأسها الكلمات التي سمعتها من الفتيات الأخريات يستهزئن بها ، و بطموحها ، و يخبرنها أنه لن يقبل بها لأنها مغتصبة ، و لن يتزوج بفتاة تبيت في كراج الشاحنات الثقيلة منذ عدة سنين ، تظن بطفولة أنه سيدرك ، سيشعر ، سيحبها ، و لن يحاسبها على ما فقدته غصباً دون إرداة ، يجب أن يقدر أنها تنام في كل ليلة تحتضن آمالها فيه .



تجلس على الرصيف المواجه لموقف السيارات ، تذكر يوم اغتصبها سلطان و حميد ، السكين المسلط على عنقها ، صرخاتها ، الكدمات في مختلف جسدها ، مرت خمس سنوات ، و لازالت آثارهم ، قالوا لها في البداية أن هناك مكاناً أفضل لتبيت فيه فتنكسر برودة الشتاء ، تسير معهم وحيدة بعد منتصف الليل ، يسحبانها إلى حيث لا أحد ، بداية طريق زراعي بعيد ، يستلون سكاكينهم ، يطرحونها أرضاً ، و كلما زاد رجاؤها و علا بكاؤها زاد عنفهم ، فقدت وعيها ، يهربون في خوف و سرعة ، تقوم في الصباح فتلملم فرشتها و ما تبقى منها ، تسير طويلاً إلى المدينة ، ثم تتعرف على صفية و علا المقيمتين تحت الجسر الكبير، تتقاسمان معها الهم و الظروف ، تبدأ في بيع المحارم الورقية ، كانت تشرب لفافات التبغ بالتقاسم معهما ، لكنها منذ رأته قررت ان تتغير و ان تتركها لأجله .



الحادية عشرة صباحاً ، يرفع عينيه عن ساعته ، يتناول قهوته السوداء ، يجلس مع أصدقائه ، يضحكون ، يسألونه متى السفر ، يجيب أنه سيغادر فور انتهاء آخر اختبار دراسي ، يمر اليوم سريعاً ، يعدو في سرعة خارجا ًمن الجامعة ، تراه آتياً ، ينتفض قلبها ، تقرر أن تخبره الآن أنها تحبه ، تهرول في سرعة دون انتباه لتلحق به ، تعبر الشارع ، يسمع المارون صوت مكابح قوية ، ثم ارتطام بالأرض ، هوت على الأرض نازفة ، يلتفت هو ، يراها ، يحوقل في سكون ، يغمض عينيه ، يتناول جواله ، و يرى المارة يسارعون لنجدتها ، فتفتح بصرها نحو السماء ، تدريجياً ، تتباطأ أنفاسها ، و تضعف حتى تختفي ، يتصل برقم الاسعاف ، يعطيهم العنوان في هدوء ، ثم ينصرف .