السبت، 30 أغسطس، 2008

العودة الأخيرة


ارتدت ملابسها في هدوء ثم خرجت من غرفة الأشعة ، تلك الغرفة المظلمة التي توترها كلما دخلتها او اقتربت منها ، كانت ليلة أخرى بغرفة الطواريء ، صعوبات التنفس ذاتها ، الألم في منتصف صدرها ، و لازالت التاسعة صبحاً ، " لن أذهب اليوم إلى العمل " قالت لنفسها و هي تتناول كوباً من الماء مع أدويتها الصباحية ، تكره هذا المستشفى و تكره هؤلاء الأطباء و تكره الممرضات و تكره حتى عمال النظافة فيه .

مشت في هدوء إلى غرفة الاستقبال بجوار عيادة الطبيب البلغاري الجديد ، لم تقوَ على المشي أسرع من ذلك ، فقدماها تحملانها بصعوبة و هي مرهقة محرومة من النوم ، تتعذب طول الليل و النهار ، جلست على أول كرسي و إن كان بعيداً عن غرفة الطبيب ، وضعت ساقاً على ساق تحت عباءتها السوداء الناعمة ، ركزت رأسها على الحائط ، أغمضت عينيها في محاولة منها للراحة ، يرن هاتفها المتنقل قتنزعج ، نظرت فوجدت رقم مكتب السفر، يأتيها صوت أنثوي يسألها ان كانت ترغب في تأكيد إلغاء سفرها في الشهر المقبل إلى الوطن ، فتؤكد ذلك بلا شك أو تراجع بنبرة صوت حزينة متعبة ، أي وطنٍ هذا الذي ستسافر إليه و هو ليس فيه ؟؟ تتساءل في صمت ، ثم تجيب نفسها أن الوطن لم يكن سوى هو بالأساس .. !!

تغلق هاتفها ثم تركن رأسها إلى الحائط وراءها مرة أخرى فتتحسس دقات قلبها المضطربة ، تذكره ، حين كانت تقول له :" أنت قمر له عينان بلون العسل " ، كان يضحك بطفولة ذكورية غريبة ، و حين قبلت منتصف شعره مرة سحب رأسه عن كتفها كطفل خجلاً ، أحبته بكل قوتها ، بكل ما استطاعت من إيمان و قدرة و عطاء ، لكن الحياة لا تعطي الفرصة دائماً و الموت لا يعطي الفرصة أبداً ، تفتح حقيبة يدها الصغيرة ، تتناول محفظتها الرملية اللون ، له معها أربعة صور ، تقلب في الصور باحثة عن الصورة التي تحبها ، ذاك القميص الأحمر ، تنظر بابتسامة بعينيها المرهقتين إليه ، كانت ضحكته تملأ الدنيا نوراً ، تضع أناملها على خده الوردي و شفتيه ، بالأمس قرأت قصيدة له ، كلما قرأت له شيئاً سمعته يقرأه لها كما همس لها بقصيدة أولى من قبل ، صوته الهاديء ، عيناه تشتعلان شوقاً ، كلما قرأت كلمة سمعتها بصوته في آذانها ، فتكاد تجن ، تنتظر الطبيب في ملل ، وقت حدادها طال ، تعودت على أن تعيش فيه حياً و ميتاً ، فكل شيء حولها و فيها يذكرها به ، روحها و جسدها و شعرها و شفتيها و عينيها و كتبها و أقلامها و دفاترها ، فإذا نظرت إلى المرآة لم ترَ إلا روحه فيها ، تتذكر إشارات يديه و هو يتحدث عن كرة القدم ، و عن الأحلام القديمة ، و عن الأشياء الكثيرة التي ود كثيراً لو أنها حقيقية ، فتعيد صوره إلى محفظتها التي تغلقها ، و تعيدها إلى حقيبة يدها السوداء ، تزفر وجعاً ، ما أصعب الزمن عليها .

مرت ساعة ، إلى أن نادت الممرضة برقم ملفها الطبي ، فقامت في تثاقل و هي تكاد تفقد اتزانها ، و مشت ببطء إلى غرفة الطبيب الذي استقبلها بابتسامة لم تفهم معناها و هو جالس على كرسي مكتبه البني ، أشار إليها بالجلوس ، كشف عن ذراعها ليقيس ضغط دمها فوجده مرتفعاً ، تتساءل في نفسها عن سبب انزعاجه بالرغم من أنها لا تذكر آخر مرة كان ضغط دمها فيها طبيعيا ً ..!!
دقق في سجلها الطبي في هدوء ، وجد في تاريخها المرضي مضاعفات لارتفاع ضغط الدم ناتجة عن الحزن و الغضب ، و جد أدويتها الصباحية ، مزيلات الاكتئاب ، مضادات القلق و التوتر ، تقاريرغرفة الطواريء ، و أشياء أخرى .

سحب الظرف الأبيض على المكتب ، أخرج ورقة بلاستيكية سوداء ، إنها أشعة الصدر التي أجرتها هذا الصباح ، قام و ثبتها على الصندوق الضوئي الأبيض على الحائط وراءه ، و نظر إليها ، ثم قال : " إن صدرك لا يشكو من شيء، رئتاكِ سليمتان ، لاتدخنين ، فلمَ تجدين صعوبة في التنفس ؟؟ و لمَ تقارير غرفة الطواريء ملأى بأزماته ؟ "

لم ترد عليه و ابتسمت سراً ، فجلس إلى حاسوبه ، ليراجع آخر فحص دم قامت به منذ أسبوع ، " فحص دمك الأخير سيء ، لا بد أن أزيد جرعة الدواء ، إن كنت متعبة من شيء ما ، فلا تجعلي الغضب يؤثر على أعصابك ، و صحتك "

أمسك وصفة طبية ، ثم نظر إليها قائلاً : أنتِ لا تنامين ، كل هذه المساحات الداكنة تحت عينيكِ ، سأكتب لكِ شيئاً ليساعدك على النوم بشكلٍ جيد دون أن يؤثر في باقي الأدوية ، و ستعتادين النوم جيداً فيما بعد "
يوقع على الوصفة ثم يختمها ، و يسلمنها إياها و يطلب منها أخذ موعد في خلال الشهر المقبل من موظفة الاستقبال .
خرجت من عيادته ، طوت الوصفة مرتين ، و رمتها في حقيبة يدها في ضجر ، لم تنل موعداً من أجل الشهر القادم ، الأطباء جهلة ، و العلم الحديث نصاب كبير ، لو كانت تلك الأشعة السينية قادرة على سبر أغوار الجسد ، لوجدوا حبه في صدرها بين رئتيها و قلبها ، و لعلموا وحدهم أن كل ما تحتاجه هو أن تضم رأسه إلى صدرها ليزول الوجع ، و ليدخل إليها الهواء ، و لو كانت أجهزة تحاليل الدم تلك دقيقة ، لأظهرت أنه يغلف حشاها و خلاياها و قطرات دمها ، و لعلموا وحدهم أيضاً أنها تحتاج فقط إلى أن يختلط دمها بدمه ليصير مثالياً ، و لو كان هو طبيباً حقاً ، لعلم وحده أيضاً ، أن كل ما تحتاجه عيناها هو أمسية بين ذراعي القمر ذو العينين العسليتين ،تتغير حدة بصرها، و تختلط ألوان العالم في لحظة ، تدور بها الدنيا فجأة ، تسقط أرضاً ..

يحملون جسدها في صندوق خشبي ، و روحها تقف فوق سحابة بيضاء تبتسم ، لقد انكسرت الغربة ، و ها هي إلى جواره ، إلى حيث يجب أن تكون ، ربما تاخروا قليلاً في إعادتها إلى الوطن ، لكنها عادت ، تلامس روحها روح الحبيب الغائب في سكون ، اختفى كل الوجع ، ما عاد للمرض معنى ، و لا للفراق معنى ، و لا لأنفاسها المضطربة وجود و لا لقلبها النازف ، تنتشر الرحمة في روحها كما انتشرت في روحه فتتخلل اصابعه اصابعها ، ترى جسدها تحت التراب ، و عادت إلى حيث أرض الوطن .. لتحصل على زفافها الوحيد و الأخير !