الأربعاء، 6 أغسطس، 2008

هو.. معجزتها و هي ..هديته

تحاول ترتيب جدول المشروع الجديد بصعوبة ، ثلاثون بالمئة من العمال في إجازة ، ارتفاع الأسعار أثر سلباً على الميزانية القديمة للأنشطة ، تحاول خلق ميزانية أخرى ، ترفع نظاراتها ذات الاطار الاسود ، تتذكر أنها لم تبعث بالرد الرسمي بعد ، تبحث عن رسائل المالك الأساسي ، الألم في رأسها يطرق طبول حرب قاسية ، تحاول أن تضغط الزمن أكثر ، تلتفت نحو ساعة الحائط المعلقة في البهو ، تطل برأسها من الباب ، فتدق الساعة الواحدة بعد الظهر ليحين وقت راحة منتصف اليوم فتلملم أوراق مكتبها الصغير في عجلة ، تبحث عن غطاء القلم الأزرق ، تنحني في محاولة منها للبحث عنه تحت كرسيها الأسود الجلدي ، تلتقطه ثم تعاود الاستقامة و تنظر إلى الساعة في سرعة ، تتناول بطاقة تعريفها الممغنطة من فوق المكتب ، تخرج من مكتبها ممسكة بيد حقيبتها الإيطالية الجديدة ، تغلق الباب خلفها و تمرر بطاقة التعريف بالآلة المثبتة بجواره و تنصرف.

المصاعد الأربعة مزدحمة للغاية ، و الردهة مزدحمة أكثر، فهذه المؤسسة الكبيرة تصير خلية نحل وقت العمل من فرط السرعة و الكثافة ، تشق طريقها بخفة وسط الواقفين ، تستقل المصعد و تنحشر في الزاوية ، تنتظر بعينين فرغ صبرهما إلى الأرض فتطرق رأسها التي تنبض من شدة الوجع ، تنفتح أبواب المصعد ، فتخرج منه بسرعة ، تواجهها الشمس بحرارتها الصيفية حين خروجها من بوابة المبنى التجاري الكبير ، و أصوات السيارات المزعجة ، تغمض عينيها ألماً من الضوضاء و الحرارة ، تلمح مقهى صغير في البناية المجاورة فتتجه نحوه بسرعة ، كانها تحاول أن تحتمي فيه من ضغط أفكار العمل ، و من ضوضاء السيارات هذا التلوث الذي صار يؤذي سمعها ، و من شيء آخر تهرب منه ، فتفكر في أن ما عاد أمامها سوى ستة أيام لتنتهي من الخطة الجديدة ، الساعات التسع في العمل لن تكفي هذا الكم من المخططات و المعلومات و الجداول و الأرقام .

تفتح باب المقهى ، هواء المكيف البارد يداعب وجهها القمري ، ترحب بها امرأة آسيوية بابتسامة فاترة و تجلسها في ركن بعيد وحيد ، مثلها تماماً ، تخلع نظاراتها ، تضم ذراعيها على الطاولة الصغيرة ، رائحة القهوة تعطر كل نسمة هواء ، تنظر حولها ، تجد على الحائط المجاور صور كبيرة لمطربين كلاسيكيين قدامى ، و فرق صنعت الموسيقى الحديثة ، تتسرب إلى اذنها نغمات أغنية ، تذكرها بالأوقات القديمة ، حين كانت تلتقي بهم في جيانولا ذاك المقهى الإيطالي ، حديث الثامنة مساء بعد نهاية اليوم الدراسي الشاق ، تفتقد أصدقاءها بشدة ، و تحاول أن تتسلى في وحدتها ، فتراقب طفلة بصحبة أمها تجلسان على طاولة قريبة ، الطفلة تطلق ضحكات رائعة بريئة و الأم بجوارها تطعمها المثلجات برفق و تمسح فمها الصغير كلما سالت عليه المثلجات ، فتبتسم الطفلة في سعادة و تتحدث بكلمات عذبة عن كرة ذهبية و اميرة لها ثوب وردي جميل .

تنظر إلى يديها الفارغتين ، ثم تنظر إلى نفسها ، فكم ضاع من الوقت في أكذوبات و تمثيليات ملفقة للإيقاع بمشاعرها و لاستباحتها و لعدم قدسية جسدها ، العالم مليء بالقسوة ، لازالت تفتقد ذاك الأخير ، تركها و ذهب ، لم يسألها أحد من قبل ، و لم يستأذنها أحد قبل أن يذهب ، حتى قصة حبها اليتيمة ، تلك التي دمرها هو و ذهب ، كأنه أخذ عالمها الزجاجي الصغير و رماه ليصطدم بجدار الفراق ، فوقعت منه على الأرض وحدها و تناثر الزجاج منه فجرح روحها ، ضحكاته تتردد في آذانها طوال الوقت ، تهرب منه إلى العمل ، تهرب من عينيه المرسومتين داخل أجفانها إلى الحاسوب و الجداول ، و تحاول جاهدة أن تشق طريق آخر ، تحفره بأظافرها و تجرح أيديها ، حتى لا يلحق بها.

أرادت أن تصير أماً ، لم ترد أن تكون امرأة من هؤلاء التي هي منهن الآن ، تكسب الكثير تكد و تنجح ، تتفوق ، تقود سيارتها الجديدة و تعود إلى منزل فارغ في السابعة مساءً ، فتحتسي القليل من الأحلام في رواية لتنام ثم تصحو في السابعة صباحاً لتواصل نسخ أيامها المكررة ، تغطي وجهها بكفيها ، فيأتيها صوت المراة الآسيوية ، تسألها ماذا تحب أن تقدم لها ، ترفع رأسها في كسل ، ثم تطلب كوباً من القهوة المثلجة و كوباً من الماء .

تدفن رأسها في ذراعيها على الطاولة في محاولة منها للتغلب على الألم ، و على أفكار العمل التي تسترق دقائق راحتها ، و على الهارب الأخير و الوحيد الذي سكن قلبها ثم تركه مهجوراً محطماً عارٍ بلا أحلام أو أمل ، و بعد دقائق تأتيها المرأة بكوب كبير من الماء ، ثم تضع القهوة المثلجة أمامها ، تتناول الملعقة في شغف ، و تمدها إلى طبقة الكريمة التي تغطي سطح الفنجان الكبير ، تتذوقها ثم تمد يدها إلى سحاب حقيبتها ، تبحث عن شيء ما ، ها هي علبة مسكن الألم ، تختبيء في الجيب الخلفي ، تلتقطها بأصبعين تفتحها في هدوء تتناول حبتين ثم تمسك كوب الماء تقربه من شفتيها ، تسمع صوتاً مألوفاً من خلفها ، شخص يتحدث مع آخر ، لكن هذا الصوت تعرفه ، تشرب الماء في سرعة ثم تلف جسدها إلى الخلف ، يقف عند المحاسب ، يطلب قهوة سوداء ، و يبدو على عجلة من أمره ينهي مكالمته و ينظر إلى جواله ثم يدور ببصره في المقهى ، يراها ، تراه ، يبتسم لها في قلق فترتسم على شفتيها الجميلتين ابتسامة واسعة سعيدة ، و يتساءل في ذاته ، هل هي حقاً هناك ؟؟ لم يعلم أنها ارتجفت من داخلها الآن ، و هو يقترب ، يقف أمام طاولتها ، لم يتغير كثيراً ، لازال شعره الأسود داكناً و لازالت بشرته البيضاء تحمر من الحرارة و الشمس ، أصابعه الطويلة الدقيقة التي يضغط بها على الطاولة في توتر ، و صوته العميق أيضاً كما هو .

يتفحصها في سكون ، تغيرت قليلاً ، صارت امرأة ، ازدادت جمالاً و أنوثة ، تشبه ورقة الورد ، لم يرها هكذا من قبل ، كان الأقرب لها و كانت الأقرب له طوال سنوات الدراسة الخمس ، لم يفكرا بشيء آخر ، فيجلس في هدوء ثم تأتيه عاملة المقهى بالقهوة فتضعها أمامه و تمشي في سرعة نحو زبون آخر ، يدور بينه و بينها حديث ، عيناهما اختلفتا ، شيء ينمو بداخل عينيها له ، شيء يجتاح وحدته و وحدتها ، فيمسك كوب القهوة في هدوء ، يتبادلان الحديث في خجل و شوق يتخفى تحت جناح صداقة السنوات القديمة ، فينتهي الوقت سريعاً ، يدفع ثمن قهوتها و قهوته و يصطحبها إلى حيث عملها ، و عند باب المصعد ، يبتسم مودعاً و يلتفت خارجاً من البوابة فتنغلق أبواب المصعد .

في المساء عادت إلى منزلها ، لم تشعر بفراغه ، و لم تشعر بأنها وحدها ، و لم تندم على الهارب الأخير ، و لم تكتب مذكراتها ، فقط أخرجت الصور القديمة من حافظة الصور ، و صارت تطالع صور رحلة السنة النهائية ، كان يقف بجوارها في كل الصور ، لم تنتبه هي إلى ذلك إلا اليوم ، بعد مرور خمس سنوات ، تبدأ في عد ذكرياتها معه، صداقة نقية ، لم يشبها شيء على الإطلاق ، و لم ينويا أبداً على أن تتطور علاقتهما ، لكن الزمن يعطي أجوبة و فرص و هدايا بنفس اليد التي يعطي بها السكين للآخرين ليجرحوا بها من هم سواهم.
في اليوم التالي ، مع نسمات الصباح الدافئة تقود سيارتها بهدوء ، التفاؤل بداخلها يعكس نوره على السماوات ، و تؤمن بأن زمن المعجزات قد عاد ، إشارات المرور الطويلة تصيبها بالجنون ، و الازدحام يغضبها كثيراً ، لقد تأخرت بنحو ثمان دقائق ، تضرب عجلة القيادة بكفها و تنتظر .

في نفس الوقت ، يتناول هو قلمه ، يكتب على بطاقة صغيرة عنوان وسطرين، ثم يوقع في نهايتها باسمه ، يعطيها للبائع ثم ينصرف .
تصل متأخرة إلى عملها ، تتناول البطاقة على عجل لتفتح الباب ، يلفت انتباهها شخصاً خلفها يسألها :
هل هذا هو مكتب المهندسة علياء ؟؟
تجيب دون أن تنظر : نعم أنا هي .
فيقول : هل لكِ أن تتسلمي هذه ؟؟
تلتفت فتجد وراءها باقة كبيرة من الزهور البيضاء ، النرجسات و الوردات و القرنفلات البيضاء و زهور لا تكاد تعرفها، توقع بالاستلام ، تمسك بالباقة الثقيلة في صعوبة و تضعها على مكتبها ، تلتقط البطاقة فتقرأ :
"لن أفقدك الآن و قد فقدتك من قبل ، بحثت عنكِ و لم أركِ و أنت إلى جواري ، أنتِ أجمل مما أعرف ، فابقي أرجوكِ ، سأنتظرك اليوم في الواحدة ظهراً "، أنتِ هديتي "

تفيق على صوته و هو يمسك بيدها ليطفيء معها الشموع الخمسة ، تنظر إلى طفلتهما الصغيرة المبتهجة التي تصفق بأصابعها المكتنزة ، و إلى الآخرين الملتفين حولهما ، مرت خمس سنوات على اللقاء ذاك ، و صارت تلبس خاتمه في يدها اليسرى ، لم تعد وحدها ، جعلها أماً ، حقق الحلم ، و لازال رائعاً ، و لا زالت تحب أن تسمع اسمها بصوته العميق ..
" يا عليـــــاء ... "